ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

قال الله ( جل وعلا ) : يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أمول الناس بالبطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ( ٣٤ ) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنت تكنزون ( ٣٥ ) [ التوبة : الآيتان ٣٤، ٣٥ ] لما ذكر الله ( جل وعلا ) أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا بين أن الرهبان والأحبار لا ينبغي اتخاذهم أربابا ؛ لأن أكثرهم فجرة غير مستقيمين فقال : إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أمول الناس بالبطل أي : فكيف تتخذون هؤلاء أربابا مع أن الإنسان لو اتخذ أشرف الأنبياء ربا أو أعظم الملائكة ربا لكان من كبار المشركين، أحرى من يتخذ الفجرة أربابا ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبين أرباب أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ( ٨٠ ) [ آل عمران : الآية ٨٠ ] يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحيار... العلماء والرهبان : المتعبدين في صوامعهم.
ليأكلون هذه أصلها لام الابتداء التي تزحلقها ( إن ) المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر ليأكلون أمول الناس بالبطل قال بعض العلماء : يأخذون الرشا. وقال بعض العلماء : يأخذون من أتباعهم أموالا باسم الدين ثم يأكلونها، قال بعضهم : يأخذون أموالا باسم الكنيسة والبيعة ونحو ذلك مما يخيلون لأتباهم أن أخذه من الدين ومرادهم الغرض الدنيوي (١).
وقوله : ويصدون عن سبيل الله لأن من استشار الرهبان والأحبار من أتباعهم هل يأخذ دين الإسلام يمنعونهم من ذلك، ويصدونهم عن سبيل الله التي هي دين الإسلام.
ثم قال تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة.... العرب تقول : " كنزت الشيء " إذا جمعته بعضه إلى بعض. وكثيرا ما يطلق على المال المجموع بعضه إلى بعض المدفون في الأرض، والكنز في اللغة يطلق على كل مجموع مضموم بعضه إلى بعض، ومنه : مكتنز اللحم ؛ لأن لحمها بعضه منضم إلى بعض. سواء كان في باطن الأرض أو على ظاهرها (٢).
قال بعض العلماء : هذه في أهل الكتاب. قاله معاوية، واختلف معه أبو ذر ( رحمه الله ). كان أبو ذر في الشام فشكاه معاوية إلى عثمان فأشخصه عثمان إلى المدينة، وكان أبو ذر ( رضي الله عنه ) عنده مذهب معروف مخالف لجميع أقوال الصحابة يضيق في اقتناء المال، وكان ( رضي الله عنه ) يقول : إن الإنسان إذا ادخر شيئا زائدا عن خلته الضرورية فهو كنز يكوى به وجهه وظهره وجنبه، وكان يذكر هذا للناس، ومن أجل هذا أمره عثمان ( رضي الله عنه ) أيام خلافته أن يخرج إلى الربذة وتوفي بها ( رضي الله عنه وأرضاه ) (٣)، وأبو ذر معذور ؛ لأنه جاء النبي في أول الإسلام، وكان المسلمون في أول الإسلام فقراء ليس عندهم شيء، وكان التشديد في إمساك الذهب والفضة في ذلك الوقت عظيما، فسمع من النبي شيئا ورجع إلى أهله بالبادية، ثم أنزل الله فريضة الزكاة، وكثر المال واتسع الأمر، وزال التشديد، ولم يعلم ( رضي الله عنه ) بشيء من ذلك، فصار على التشديد الأول ؛ لأنه سمعه من رسول الله ولم يسمع ما طرأ بعد ذلك. هذا قاله بعض الصحابة وهو الظاهر أنه الحق (٤).
قوله : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله رد الضمير هنا على الفضة ولم يقل : " ولا ينفقونهما " وللعلماء في توجيهه في اللغة العربية أقوال، والتحقيق أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن رجوع الضمير هنا على الفضة ولم يقل : " ولا ينفقونهما " وللعلماء في توجيهه في اللغة العربية أقوال (٥)، والتحقيق أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن رجوع الضمير على أحد المتعاطفين ب ( الواو ) أو ( الفاء ) أو ( أو )، وهو في ( أو ) أظهر اكتفاء ببعضهما ؛ لأن الآخر مفهوم منه، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب (٦)، فمن أمثلته في القرآن : يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها... واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها [ البقرة : آية ٤٥ ] أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه [ الأنفال : الآية ٢٠ ] ومن أمثلته ب ( أو ) : ومن يكتسب خطيئة أو إثما يرم به [ النساء : آية ١١٢ ] وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها [ الجمعة : آية ١١ ] ومن رجوع الضمير إلى المتعاطفين ب ( أو ) قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما [ النساء : آية ١٣٥ ] ومثال إفراده في المتعاطفين ب ( الفاء ) : قول امرئ القيس (٧) :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها.................................
فرده على أحدهما. وهو في العطف ب ( الواو ) كالآية كثير جدا في كلام العرب، منه قول نابغة ذبيان (٨) :

وقد أراني ونعما لاهيين بها والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
ولم يقل : " ولم يهمما ". ومنه قول حسان رضي الله عنه (٩) :
إن شرخ الشباب والشعر الأ سود ما لم يعاص كان جنونا
وهو كثير في كلام العرب.
وقوله : يكنزون الذهب والفضة التحقيق – إن شاء الله – الذي هو الصواب : أن كنز الفضة والذهب الذي يكوى به صاحبه هو ما منع فيه حق الله من الزكاة (١٠)، أما ما أديت زكاته، وأخرج حق الله الواجب فيه، فالباقي بعد هذا لا يسمى كنزا، وإن كان تحت الأرض، ولا يكوى به صاحبه، هذا هو المذهب الحق – إن شاء الله – وأدلته واضحة، وبراهينه ساطعة لا شك فيها ؛ لأن الله أوجب في مال الإنسان من ذهبه أو فضته أو ماشيته أو ثماره وزروعه وكل ذلك أوجب فيه حقا معينا في أقدار معينة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أنها هي الحق في مال الإنسان، وأن أخذها يطهر الإنسان ويطهر له ماله، فإذا أدى ما أوجبه الله عليه وأمره به فقد طهر هو وطهر ماله، ولم يبق فيه شيء عليه تبعه ؛ لأن الله لو كان يكوي به جنبه ووجهه وظهره فلا فائدة في دفع الزكاة إذا كان المال يلزم أن ينفقه كله، فلا وجه لزكاة ولا محل للمواريث ؛ لأن الفرائض والمواريث التي نزل بها كتاب الله إنما هي في أموال تبقى بعد صاحبها، فالتحقيق الذي لا شك فيه – إن شاء الله – أن الكنز الذي يكوى به صاحبه هو ما منع فيه حق الله ولم يؤد زكاته أما ما أدى زكاته وأعطى حق الله فيه فليس بكنز ولا يكوى به، فإن شاء أكثر من التطوع، وإن شاء أمسك لنفسه، والقدر الواجب أوجب الله أخذه معينا بتحديد من رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما يوضح هذا قوله [ لرسوله ] (١١) صلى الله عليه وسلم : خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ التوبة : آية ١٠٣ ] وهي الزكاة، فعرفنا أن أخذها يطهرهم ويزكيهم. وفي حديث ضمام بن ثعلبة لما أمره النبي بدعائم الإسلام، وذكر له فرض الزكاة، قال : هل علي غيرها ؟ قال : " لا إلا أن تتطوع " (١٢). فهذا هو الحق – إن شاء الله – أما ما أديت زكاته فليس بكنز ولو تحت الأرض، وما لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان ظاهرا على وجه الأرض.
قال : ابن خويز منداد من المالكية : هذه من سورة براءة تضمنت زكاة العين (١٣). يعني العين : النقدين، الذهب والفضة.
ونحن عادة في هذه الدروس إذا مررنا بآية من كتاب الله هي أصل باب من أبواب الفقه نتعرض إلى مسائله الكبار، ونبين عيونها ومسائلها التي لها أهمية، وهذه الآية الكريمة على التحقيق فيها كأنها تشير إلى الزكاة، وأن من لم يؤدها أنه يكوى بذلك المال الذي لم يؤد زكاته كما سيأتي في حديث مسلم.
اعلموا أن المسلمين أجمعوا على وجوب زكاة الفضة والذهب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم – لا خلاف بين العلماء من كافة المسلمين أنه – بين قدر نصاب الفضة وقدر الواجب فيها، فبين أن نصاب الفضة مئتا درهم شرعي، وأنها خمسة أواق، والأوقية : أربعون درهما، وأن قدر الواجب منها : ربع العشر (١٤)، هذا أمر لا شك فيه، أم مائتي درهم ففيها زكاة يخرج منها ربع عشرها، وليس في أقل من مائتي درهم شرعي زكاة. والدرهم الشرعي : قال علماء المالكية بالتحديد : ينبغي أن يكون بوزن أهل مكة الأول المتعارف ؛ لما ثبت عن ابن عمر عند النسائي وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة " (١٥) فالخمسة الأوسق تعرف بصاع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومائتا درهم – نصاب الفضة – تعرف بالوزن الذي كان معروفا عند أهل مكة.
وقد حرر علماء المالكية الأمرين (١٦) وقالوا : إن الدرهم المكي الشرعي وزنه خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير. هكذا الذي يقولون، وزاد بعضهم : سبع الحبة. والتحقيق عندهم هو هذا، فإذا كان عند الإنسان مائتا درهم شرعية فإنه يجب عليه زكاتها وإخراج ربع عشرها كما هو معلوم، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء. وكل درهم ستة دوانق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وأربعون درهما هي الأوقية. وهذا معروف لا نزاع فيه.
وأكثر العلماء على أن الفضة لا وقص فيها (١٧)، فإذا كانت عنده مائتا درهم أخرج ربع عشرها، وكل ما زاد فبحسابه. وقال بعض العلماء : إذا زاد عن مائتي درهم لم يكن عليه شيء حتى يبلغ الأربعين درهما.
أما الذهب فقد ذكر العلماء أنه لم يثبت فيه تحديد من النبي صلى الله عليه وسلم لا في نصابه ولا في المخرج منه (١٨)، وهذا مروي عن الشافعي، وقاله ابن عبد البر، وبالغ ابن حزم في نصره، أن النبي لم يثبت عنه شيء في تحديد نصاب الذهب ولا في قدر المخرج منه. والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه قدر نصاب الذهب وقدر المخرج منه، وأن نصاب الذهب عشرون دينارا ليس فيما دونها صدقة، وأن في الذهب مثل ما في الفضة ربع العشر.
اعلموا أولا أن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين كل واحد منها قد دل على أن الزكاة تجب في الذهب، وقد دل عليه القرآن في قوله : والذين يكنزون الذهب والفضة... الآية :[ التوبة : آية ٣٤ ]. ودلت عليه السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يخرج منهما حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها فيكوى بها جنبه وظهره ووجهه في يوم مقداره خمسين ألف سنة، كلما بردت أعيدت فأحمي عليها حتى يقضي الله بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " (١٩) فهذا نص صحيح ثابت في صحيح مسلم أن الذهب تجب فيه الزكاة، وأن من لم يؤد زكاته يكوى به يوم القيامة، ويصفح له صفائح من نار. إذا عرفتم أن أصل زكاة الذهب واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، فبيان تحديد النصاب وقدر المخرج منه كأنه بيان لإجمال من كتاب الله، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين هذا الإجمال ويوضحه، ويعين قدر نصاب الذهب، وقدر الواجب إخراجه فيه، وهو ما رواه أبو داود في سننه من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة السلولي والحارث الأعور الهمذاني عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما معناه : " إن في عشرين دينارا من الذهب نصف دينار " (٢٠). وهذا بعينه تحديد النصاب بعشرين دينارا، وتحديد الواجب فيه بربع العشر، هذا الحديث رواه أبو داود وسكت عنه. ومعروف أن كثيرا من العلماء ناقشوا في هذا الحديث
١ انظر: القرطبي (٨/ ١٢٢)..
٢ انظر: القرطبي (٨/ ١٢٣)، الدر المصون (٦/ ٤٢)..
٣ أخرجه البخاري في الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز. حديث رقم: (١٤٠٦) (٣/ ٢٧١) وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم: (٤٦٦٠)..
٤ انظر: الأضواء (٢/ ٤٣٤)..
٥ انظر: الدر المصون (٦/ ٤٢)..
٦ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة..
٧ مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام..
٨ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة..
٩ السابق..
١٠ انظر: الأضواء (٢/ ٤٣١ - ٤٣٤)..
١١ ما بين المعقوفين [ ] زيادة يقتضيها السياق..
١٢ مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأعراف..
١٣ نقله القرطبي (٨/ ١٢٤)، والشيخ (رحمه الله) في الأضواء (٢/ ٤٣٤)..
١٤ انظر المدونة (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤)، بدائع الصنائع (٢/ ١٦ - ١٨)، المغني (٤/ ٢٠٩ - ٢١٣)، الأضواء (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)..
١٥ أخرج أبو داود في كتاب البيوع، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المكيال مكيال أهل المدينة" رقم (٣٣٢٤) (٩/)، والنسائي في كتاب الزكاة، باب كم الصاع، رقم (٢٥٢٠) (٥/ ٥٤)، في كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن. رقم (٤٥٩٤) (٧/ ٢٨٤)، والطبراني في الكبير (١٣٤٤٩)، والبيهقي (٦/ ٣١)، كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان عن حنظلة عن طاووس عن ابن عمر.
وأخرجه أبو عبيد في الأموال (١٦٠٧)، ومن طريقه البغوي (٢٠٦٣) عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر عن سفيان به. وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٩٩) من طريق الفريابي عن سفيان به.
وأخرجه ابن حبان (٣٢٨٣) من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان فخالف من تقدم في متن الحديث وإسناده. انظر الإرواء (١٣٤٢) (٥/ ١٩١)..

١٦ مضى عند تفسير الآية (١٤١) من سورة الأنعام..
١٧ انظر: الأضواء (٢/ ٤٣٦)..
١٨ انظر: الأم للشافعي (٤/ ٤٠)، الاستذكار لابن عبد البر (٩/ ٣٤)، المحلى (٦/ ٦٦)، الأضواء (٢/ ٤٣٨)..
١٩ تقدم تخريجه عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنفال..
٢٠ أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٩)، وأبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة. حديث رقم: (١٥٥٧، ١٥٥٨) (٤/ ٤٤٤، ٤٤٧) مع تردد بعض رواته – عند أبي داود – في رفعه.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١١٩)، وأبو عبيد في الأموال ص ٣٦٩ موقوفا على علي (رضي الله عنه).
وانظر: الاستذكار (٩/ ٢١، ٣٤)، التلخيص (٢/ ١٧٣)، الإرواء (٣/ ٢٩١)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير