تفسير سورة النصر

التفسير الوسيط لطنطاوي
تفسير سورة سورة النصر من كتاب التفسير الوسيط المعروف بـالتفسير الوسيط لطنطاوي .
لمؤلفه محمد سيد طنطاوي . المتوفي سنة 1431 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة النصر
مقدمة وتمهيد
١- سورة " النصر " تسمى –أيضاً- سورة :[ إذا جاء نصر الله والفتح ]، وتسمى سورة " التوديع "، وهي من السور المدنية، قيل : نزلت عند منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، وقيل : نزلت بمنى في أيام التشريق، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقيل : نزلت عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين.
وكان نزولها بعد سورة " الحشر "، وقبل سورة " النور "، وهي ثلاث آيات.
٢- وقد تضافرت الأخبار رواية وتأويلا على أن هذه السورة تومئ إلى قرب نهاية أجل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في هذا المعنى، منها ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة [ إذا جاء نصر الله والفتح ]، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وقال : " قد نُعِيتْ إليَّ نفْسِي "، فبكت ثم ضحكت، وقالت : أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال : " اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي " فضحكت.
وأخرج البخاري عن ابن عباس، قال : كان عمر –رضي الله عنه- يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم قد وَجَد في نفسه – أي : تغير وغضب- وقال : لماذا يَدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم.. فقال : ما تقولون في قوله –تعالى- ( إذا جاء نصر الله والفتح )، فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال.. عمر : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا، فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له... فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة نزلت من القرآن هذه السورة( ١ ).
والسورة الكريمة وعد منه –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر والفتح، وبشارة بدخول أفواج الناس في دين الله، وأمر منه –سبحانه- بالمواظبة على حمده واستغفاره.
١ - راجع تفسير ابن كثير ج٧ ص ٥٢٩..

التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
والنصر: التغلب على العدو، والإعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم: قد نصر الغيث الأرض، أى: أعان على إظهار نباتها.
والمراد به هنا: إعانة الله- تعالى- لنبيه ﷺ على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم.
والفتح: يطلق على فتح البلاد عنوة والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله- تعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
والمراد به: هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة الحق.
قال الإمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم- أى: تنتظر- بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت- أى:
اجتمعت- جزيرة العرب على الإيمان، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة.
والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله فَسَبِّحْ جواب إذا.
والمعنى: إذا أتم الله- عليك- أيها الرسول الكريم- وعلى أصحابك النصر، وصارت
531
لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون في دين الإسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر.
إذا علمت ورأيت كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل مالا يليق به شكرا له على نعمه، وداوم- أيضا- على طلب مغفرته لك وللمؤمنين.
إِنَّهُ عز وجل- كانَ وما زال تَوَّاباً أى: كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، كما قال- سبحانه-: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
532

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تفسير سورة المسد
مقدمة وتمهيد
١- سورة «المسد» تسمى- أيضا- بسورة «تبت»، وبسورة «أبى لهب»، وبسورة «اللهب» وهي من أوائل السور التي نزلت بمكة، فهي السورة السادسة في ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة «الفاتحة»، وقبل سورة «الكوثر» وهي خمس آيات.
٢- وقد ذكروا في سبب نزول هذه السورة روايات منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: «يا صباحاه» وهي كلمة ينادى بها للإنذار من عدو قادم- فاجتمعت إليه قريش، فقال-: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم. قال: «فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة.
وفي رواية: أنه قام ينفض يديه وجعل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة» «١».
وأبو لهب: هو أحد أعمام النبي ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم... وامرأته هي: أروى بنت حرب بن أمية، وكنيتها أم جميل.
روى أنها لما سمعت ما نزل في زوجها وفيها من قرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو
(١) تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٥٣٤.
533
جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر- أى: حجر- فلما وقفت أخذ الله- تعالى- بصرها عن رسوله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه... ثم انصرفت، فقال أبو بكر:
يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ما رأتنى، لقد أخذ الله بصرها عنى» «١».
(١) تفسير القرطبي ج ٢ ص ٢٣١.
534
Icon