تفسير سورة سورة الفجر
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت 516 هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي -بيروت
الطبعة
الأولى
عدد الأجزاء
5
المحقق
عبد الرزاق المهدي
نبذة عن الكتاب
- أن تفسيره متوسط ليس بالطويل الممل، ولا بالمختصر المخل.
- سهولة ألفاظه، ووضوح عباراته.
- نقل ما جاء عن السَّلَف في التفسير، بدون أن يذكر السند، وذلك لأنه ذكر في مقدمة تفسيره إسناده إلى كل مَن يروي عنه.
- الإعراض عن المناكير، وما لا تعلق له بالتفسير، ويتعرض للقراءات، ولكن بدون إسراف منه في ذلك.
- ترك الاستطراد فيما لا صلة له بعلم التفسير.
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «والبغوي تفسيرة مختصر من الثعالبي لكنه صان تفسيرة عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة» . وقد سئل رحمه الله عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري أم القرطبي أم البغوي، أم غير هؤلاء؟ فأجاب: «وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي» الفتاوى 13/386
ويعتمد في تفسيره على الكتاب، والمأثور من السنة النبوية، وأقوال الصحابة، والتابعين، مع عنايته بالقراءات واللغة والنحو بإيجاز، ويذكر فيه مسائل العقيدة والأحكام الفقهية بطريقة مختصرة.
وأفضل طبعة لهذا التفسير هي طبعة دار طيبة بالرياض.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)، يَعْنِي جَزَاءَهُمْ بَعْدَ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
سُورَةُ الْفَجْرَ
مكية وهي ثلاثون آية
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)وَالْفَجْرِ (١) أَقْسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْفَجْرِ، رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ انْفِجَارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ: وقال عطية: عند صلاة الصبح. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ فَجْرُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنْهُ السَّنَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَجْرُ ذِي الحجة لأنه قرن بِهِ اللَّيَالِي الْعَشْرُ.
وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢)، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ والسدي والكلبي: وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر الأول من شهر رمضان. وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عباس قال: هِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رمضان. وقال يمان بن رياب [١] هِيَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ الَّتِي عَاشِرُهَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ.
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الْوِتْرُ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، قِيلَ: الشَّفْعُ الْخَلْقُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) [النبأ: ٨] وَالْوَتْرُ: هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. روي ذلك عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ: الشَّفْعُ الْخَلْقُ كُلُّهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩]، الْكَفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةَ، وَالسَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَالْبَرَّ وَالْبَحْرَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالْوَتْرُ هو الله، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الْإِخْلَاصِ: ١]، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ:
الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ الْخَلْقُ كُلُّهُ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وَتْرٌ. وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هُوَ الْعَدَدُ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وتر.
«٢٣٣٥» وقال قتادة: هي الصَّلَوَاتُ مِنْهَا شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ. وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين مرفوعا.
- أثر قتادة أخرجه الطبري ٣٧١٠٠ عن قتادة قوله.
- وورد مرفوعا من حديث عمران بن حصين «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي هَذِهِ الآية: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: هي الصلاة منها شفع، ومنها وتر».
- أخرجه الترمذي ٣٣٤٢ والطبري ٣٧٠٩٩ والحاكم ٢/ ٥٢٢ وأحمد ٤/ ٤٣٧ من طريق عمران بن عصام عن شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين به.
(١) في المطبوع «يمن بن رباب».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: الشَّفْعُ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ والوتر يَوْمُ النَّفْرِ الْأَخِيرِ.
رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِيَ الْعَشْرَ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وعرفة النحر.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الشَّفْعُ الأيام والليالي والوتر الْيَوْمُ الَّذِي لَا لَيْلَةَ بَعْدَهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: الشَّفْعُ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ لأنها ثمان، والوتر دِرْكَاتُ النَّارِ لِأَنَّهَا سَبْعٌ، كَأَنَّهُ أقسم بالجنة والنار، وسئل أبو بكر الْوَرَّاقُ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: الشفع تضاد أوصاف الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْعِزِّ وَالذُّلِّ، وَالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، والبصر والعمى، والحياة والموت، والوتر انْفِرَادُ صِفَاتِ اللَّهِ عِزٌ بِلَا ذُلٍّ، وَقُدْرَةٌ بِلَا عَجْزٍ، وَقُوَّةٌ بِلَا ضَعْفٍ. وَعِلْمٌ بِلَا جَهْلٍ، وحياة بلا موت.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٤ الى ٨]
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)، أَيْ إِذَا سار وذهب كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) [الْمُدَّثِّرِ: ٣٣]، وَقَالَ قَتَادَةُ:
إِذَا جَاءَ وَأَقْبَلَ وَأَرَادَ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ: هِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ يَسْرِي بِالْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَيَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ أَيْضًا، وَالْبَاقُونَ يَحْذِفُونَهَا فِي الْحَالَيْنِ، فَمَنْ [١] حَذَفَ فَلِوِفَاقِ رؤوس الْآيِ، وَمَنْ أَثْبَتَ فَلِأَنَّهَا لَامُ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يُحْذَفُ مِنْهُ فِي الْوَقْفِ. نَحْوَ قَوْلِهِ:
هُوَ يَقْضِي وَأَنَا أَقْضِي، وَسُئِلَ الْأَخْفَشُ عَنِ الْعِلَّةِ فِي سُقُوطِ الْيَاءِ، فَقَالَ: اللَّيْلُ لَا يَسْرِي وَلَكِنْ يُسْرَى فِيهِ، فَهُوَ مَصْرُوفٌ فَلَمَّا صَرَفَهُ بَخَسَهُ حَقَّهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، كَقَوْلِهِ: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨]، وَلَمْ يَقُلْ بَغِيَّةٌ لِأَنَّهَا صُرِّفَتْ [٢] مِنْ بَاغِيَةٍ.
هَلْ فِي ذلِكَ أَيْ فِيمَا ذَكَرْتُ، قَسَمٌ، أَيْ مَقْنَعٌ وَمُكْتَفًى فِي الْقَسَمِ، لِذِي حِجْرٍ، لِذِي عَقْلٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأنه يحجر صاحبه عمالا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، كَمَا يُسَمَّى عَقْلًا لِأَنَّهُ يَعْقِلُهُ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَنُهًى لِأَنَّهُ يَنْهَى عَمَّا لَا يَنْبَغِي، وَأَصْلُ الْحَجْرِ الْمَنْعُ وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر: ١٤]، وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
أَلَمْ تَرَ، قَالَ الفَرَّاءُ: أَلَمْ تُخْبَرْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَلَمْ تَعْلَمْ وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ. كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ
- وورد موقوفا على عمران، أخرجه عبد الرزاق ٣٥٩٧ والطبري ٣٧٠٩٤ و٣٧٠٩٥ وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وهو الصحيح، ورجح ابن كثير ٤/ ٥٤١ الوقف، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ٦٣٢٠ و «فتح القدير» ٢٧٠٩ بتخريجي.
(١) في المطبوع «عن».
(٢) في المطبوع «لأنه صرف».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ فِيهِمُ الْمُلْكُ وَكَانُوا بِمَهَرَةَ وَكَانَ عَادٌ أَبَاهُمْ فَنَسَبَهُمْ إِلَيْهِ وَهُوَ إِرَمُ بْنُ عَادِ بن شيم بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ جَدٌّ عَادٍ وَهُوَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِرَمَ هُوَ الَّذِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ نَسَبُ عَادٍ وثمود [وأهل السواد] [١] وَأَهْلِ الْجَزِيرَةِ، كَانَ يُقَالُ: عَادُ إِرَمَ وَثَمُودُ إِرَمَ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ عَادًا ثُمَّ ثَمُودَ وَبَقِيَ أَهْلُ السَّوَادِ وَالْجَزِيرَةِ، وَكَانُوا أَهْلَ عُمُدٍ وَخِيَامٍ وَمَاشِيَةٍ سَيَّارَةٍ فِي الرَّبِيعِ، فَإِذَا هَاجَ الْعُودُ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ جِنَانِ وَزُرُوعٍ وَمَنَازِلُهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهَا.
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)، وَسُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِهَذَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عُمُدٍ سَيَّارَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ، وَرِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِطُولِ قَامَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي طُولَهُمْ مِثْلَ الْعِمَادِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ طُولُ أَحَدِهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا. وَقَوْلُهُ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، أَيْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ فِي الطُّولِ وَالْقُوَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، وَقِيلَ: سُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِبِنَاءٍ بناه بعضهم فشيد عمده، وَرَفَعَ بِنَاءَهُ، يُقَالُ: بَنَاهُ شَدَّادُ بْنُ عَادٍ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُخْلَقْ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهُ وَسَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بعث الله عليه وعلى قومه صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠)
وَثَمُودَ، أَيْ وَبِثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ، قطعوا الحجر، صخرة واحداتها بِالْوادِ، يَعْنِي وَادِي الْقُرَى كَانُوا يقطعون الجبال فجيعلون فِيهَا بُيُوتًا، وَأَثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ الْيَاءَ فِي الْوَادِي وَصْلًا وَوَقْفًا عَلَى الْأَصْلِ، وَأَثْبَتَهَا وَرْشٌ وَصْلًا وَالْآخَرُونَ بِحَذْفِهَا فِي الْحَالَيْنِ على وفق رؤوس الْآيِ.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠)، سُمِّي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ (ص).
«٢٣٣٦» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا ابْنُ فنجويه ثنا مخلد بن جعفر ثنا الحسين بن علويه ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنِ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ فِرْعَوْنَ إِنَّمَا سُمِّيَ «ذي الأوتاد» لأنه كانت له امرأة، وهي امرأة خازنة حزقيل [٢]، وَكَانَ مُؤْمِنًا كَتَمَ إِيمَانَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ مَاشِطَةُ بِنْتِ فرعون.
- إسناده ساقط، إسحق بن بشر أبو حذيفة صاحب كتاب «المبتدأ» كذاب يضع الحديث، قاله أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، وتقدم ذكره، وتفرد به عن ابن عباس بهذا السياق، وشيخه ابن سمعان عبد الله بن سمعان متروك.
- وهذا الخبر من الإسرائيليات.
- وقد تقدم ذكر خبر ماشطة فرعون في سورة ص.
(١) زيادة عن المخطوط. [.....]
(٢) تكرر في المخطوط «حزبيل».
قَالَ: وَبَعَثَ فِي طلب زوجها حزقيل فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِفِرْعَوْنَ: إنه قد رؤي في موضع كذا فِي جَبَلِ كَذَا، فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهِ فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَيَلِيهِ صُفُوفٌ مِنَ الْوُحُوشِ خَلْفَهُ يُصَلُّونَ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ انصرفا، فقال حزقيل: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كَتَمْتُ إِيمَانِي مِائَةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ على أحد فأيما هذان الرَّجُلَيْنِ كَتَمَ عَلَيَّ فَاهْدِهِ إِلَى دِينِكَ وَأَعْطِهِ مِنَ الدُّنْيَا سُؤْلَهُ، وَأَيُّمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَظْهَرَ عَلَيَّ فَعَجِّلْ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَاجْعَلْ مَصِيرَهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى النَّارِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَاعْتَبَرَ وَآمَنَ، وَأَمَّا الْآخَرَ فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملاء، فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: وَهَلْ كَانَ مَعَكَ غَيْرُكَ؟
قَالَ: نَعَمْ فُلَانٌ، فَدَعَا بِهِ فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: لَا مَا رَأَيْتُ مِمَّا قَالَ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ فِرْعَوْنُ وَأَجْزَلَ وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ صَلَبَهُ، قَالَ: وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ فَرَأَتْ مَا صَنَعَ فِرْعَوْنُ بِالْمَاشِطَةِ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ يَسَعُنِي أَنْ أَصْبِرَ عَلَى مَا يَأْتِي فِرْعَوْنُ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ وَهُوَ كَافِرٌ؟ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ تُؤَامِرُ نَفْسَهَا إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَجَلَسَ قَرِيبًا مِنْهَا، فَقَالَتْ: يَا فِرْعَوْنُ أَنْتَ شَرُّ [٢] الْخَلْقِ وَأَخْبَثُهُمْ عَمَدْتَ إِلَى الْمَاشِطَةِ فَقَتَلْتَهَا، قَالَ: فَلَعَلَّ بِكِ الْجُنُونَ الَّذِي كَانَ بِهَا قَالَتْ مَا بِي مِنْ جُنُونٍ، وإن إلهي وإلهك وإله السموات وَالْأَرْضِ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَزَّقَ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا وَضَرَبَهَا وَأَرْسَلَ إِلَى أَبَوَيْهَا فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: ألا تريان أن الجنون كَانَ بِالْمَاشِطَةِ أَصَابَهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ إِنِّي أَشْهَدُ أن ربي وربك ورب السموات وَالْأَرْضِ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فقال أَبُوهَا: يَا آسِيَةُ أَلَسْتِ مِنْ خير نساء العالمين]
وزوجك إله العالمين [٤] ؟ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ حَقًّا فَقُولَا لَهُ أَنْ يُتَوِّجَنِي تَاجًا تَكُونُ الشَّمْسُ أَمَامَهُ وَالْقَمَرُ خَلْفَهُ وَالْكَوَاكِبُ حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُمَا فِرْعَوْنُ: اخْرُجَا عَنِّي، فَمَدَّهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ يُعَذِّبُهَا فَفَتَحَ اللَّهُ لَهَا بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهَا مَا يَصْنَعُ بِهَا فِرْعَوْنُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التَّحْرِيمِ: ١١]، فَقَبَضَ اللَّهُ روحها وأسكنها الجنة.
(٢) في المطبوع «أشر».
(٣) في المطبوع وط «العماليق» والمثبت عن المخطوطتين.
وفرعون ليس من العماليق أصلا.
(٤) في المطبوع وط «العماليق» والمثبت عن المخطوطتين.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١١ الى ١٥]
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١)، يَعْنِي عَادًا وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ عَمِلُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَتَجَبَّرُوا.
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣)، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لَوْنًا مِنَ الْعَذَابِ صَبَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ السَّوْطَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ الْعَذَابِ، فَجَرَى ذَلِكَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهُمْ بِهِ الْعَذَابَ.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِحَيْثُ يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُبْصِرُ ما تقول وتفعل وتهجس به العباد. قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَلَيْهِ طَرِيقُ الْعِبَادِ لَا يَفُوتُهُ أَحَدٌ. قَالَ مُقَاتِلٌ: مَمَرُّ النَّاسِ عَلَيْهِ وَالْمِرْصَادُ، وَالْمَرْصَدُ: الطَّرِيقُ. وَقِيلَ: مَرْجِعُ الْخَلْقِ إِلَى حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ وَإِلَيْهِ مَصِيرُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: يَرْصُدُ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ كَمَا لَا يَفُوتُ مَنْ هُوَ بِالْمِرْصَادِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرْصَدَ [اللَّهُ النَّارَ] [١] عَلَى طَرِيقِهِمْ حَتَّى يُهْلِكَهُمْ.
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ، امْتَحَنَهُ، رَبُّهُ، بِالنِّعْمَةِ، فَأَكْرَمَهُ، بِالْمَالِ، وَنَعَّمَهُ، بِمَا وَسَّعَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، بما أعطاني.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٦ الى ٢١]
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ، بِالْفَقْرِ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ فَقَدَّرَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. وَقِيلَ: قَدَّرَ بِمَعْنَى قَتَّرَ وَأَعْطَاهُ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ. فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، أَذَلَّنِي بِالْفَقْرِ. وَهَذَا يَعْنِي بِهِ الْكَافِرَ تَكُونُ الْكَرَامَةُ وَالْهَوَانُ عِنْدَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَقِلَّتِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ الْكَافِرِ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إِكْرَامٌ وَأَنَّ الْفَقْرَ إِهَانَةٌ.
فَقَالَ: كَلَّا لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْغِنَى لِكَرَامَتِهِ وَلَمْ أَبْتَلِهِ بِالْفَقْرِ لِهَوَانِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِكْرَامَ وَالْإِهَانَةَ لَا تَدُورُ عَلَى الْمَالِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى بِتَقْدِيرِهِ فَيُوَسِّعُ عَلَى الْكَافِرِ لَا لِكَرَامَتِهِ، وَيُقَدِّرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ لَا لِهَوَانِهِ، إِنَّمَا يُكْرِمُ الْمَرْءَ بِطَاعَتِهِ وَيُهِينُهُ بِمَعْصِيَتِهِ. قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ أَكْرَمَنِي وَأَهَانَنِي، بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ، وَيَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ، أَيْضًا وَالْآخَرُونَ يَحْذِفُونَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا. بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ (يُكْرِمُونَ، وَيَحُضُّونَ، وَيَأْكُلُونَ، وَيُحِبُّونَ) بِالْيَاءِ فِيهِنَّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ لَا تُحْسِنُونَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا تُعْطُونَهُ حَقَّهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ.
وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨)، أَيْ لَا تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ تَحَاضُّونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا أَيْ لَا يَحُضُّ بعضكم بعضا عليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠). أي كثيرا يعني يحبون جمع المال ويولعون بِهِ، يُقَالُ: جَمَّ الْمَاءُ فِي الْحَوْضِ إِذَا كَثُرَ وَاجْتَمَعَ.
كَلَّا، مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ لَا يفعلون ما أمروا به من إكرام الْيَتِيمِ وَإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تَلَهُّفِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكُسِرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ جَبَلٍ وَبِنَاءٍ وَشَجَرٍ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْءٌ.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٨]
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)
وَجاءَ رَبُّكَ، قَالَ الْحَسَنُ: جَاءَ أَمْرُهُ وَقَضَاؤُهُ [١]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْزِلُ [٢] حكمه، وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ صُفُوفَ الْمَلَائِكَةِ، وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ صَفٌّ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ إِذَا نَزَلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانُوا صَفًا محيطين [٣] بِالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا فَيَكُونُ سَبْعَ صفوف.
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ومقاتل في هذه الآية: تقاد جهنم بسبعين [ألف] زمام كل زمام [بيد] [٤] سبعين أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا، لَهَا تَغَيُّظٌ وَزَفِيرٌ حَتَّى تُنْصَبَ عَلَى يَسَارِ الْعَرْشِ.
يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ، يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، يَتَّعِظُ وَيَتُوبُ الْكَافِرُ، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى، قَالَ الزَّجَّاجُ: يُظْهِرُ التَّوْبَةَ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ التَّوْبَةُ.
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)، أَيْ قَدَّمُتُ الْخَيْرَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ لِحَيَاتِي فِي الْآخِرَةِ، أَيْ لِآخِرَتِي الَّتِي لَا مَوْتَ فِيهَا.
فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ لَا يُعَذِّبُ، وَلا يُوثِقُ بِفَتْحِ الذَّالِ وَالثَّاءِ عَلَى مَعْنَى لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، ولا يوثق كوثاقه يَوْمَئِذٍ، وَقِيلَ: هُوَ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ. وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. يَعْنِي لَا يُعَذَّبُ كَعَذَابِ هَذَا الْكَافِرِ أَحَدٌ، وَلَا يُوثَقُ كَوَثَاقِهِ أَحَدٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الذَّالِ وَالثَّاءِ، أَيْ لَا يُعَذِّبُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ الْكَافِرَ يَوْمَئِذٍ، ولا يوثق
(٢) في المخطوط «تنزيل».
(٣) في المطبوع «مختلطين».
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) العبارة في النسخ قبل لفظ «كل» لذا كان السياق غير متسق.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)، إِلَى مَا وَعَدَ اللَّهُ المصدقة بما قال الله. قال مُجَاهِدٌ:
الْمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي أَيْقَنَتْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهَا وَصَبَرَتْ جَأْشًا لِأَمْرِهِ وَطَاعَتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنَةُ الْمُوقِنَةُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الرَّاضِيَةُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ الْآمِنَةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَقِيلَ الْمُطَمْئِنَةُ بِذِكْرِ اللَّهِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ:
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨]، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُقَالُ لَهَا:
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ إِلَى اللَّهِ، راضِيَةً، بِالثَّوَابِ، مَرْضِيَّةً، عَنْكِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قَالَ عَبْدُ الله بن عَمْرٍو: إِذَا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلَكَيْنِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِتُحْفَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، فيقال لها: اخرجي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إِلَى روح وريحان ورب عَنْكِ رَاضٍ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ وَجَدَهُ أَحَدٌ فِي أَنْفِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ مِنَ الْأَرْضِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ وَنَسَمَةٌ طَيِّبَةٌ. فَلَا تَمُرُّ بِبَابٍ إِلَّا فُتِحَ لَهَا وَلَا بِمَلَكٍ إِلَّا صَلَّى عَلَيْهَا، حَتَّى يُؤْتَى بِهَا الرَّحْمَنُ فَتَسْجُدُ، ثُمَّ يُقَالُ لِمِيكَائِيلَ: اذْهَبْ بِهَذِهِ فَاجْعَلْهَا [١] مَعَ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُؤْمَرُ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا طُولُهُ، وَيُنْبَذُ له الرعان، وإن كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَفَاهُ نُورُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ لَهُ نُورُهُ مِثْلَ الشَّمْسِ فِي قَبْرِهِ، وَيَكُونُ مِثْلُهُ مِثْلَ الْعَرُوسِ يَنَامُ فَلَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ. وَإِذَا تُوُفِّيَ الْكَافِرُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ وأرسل [إليه] [٢] قِطْعَةً مِنْ بِجَادٍ أَنْتَنُ مِنْ كُلِّ نَتَنٍ وَأَخْشَنُ مِنْ كُلِّ خشن، فيقال: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى جهنم وعذاب أليم ورب عَلَيْكِ غَضْبَانُ [٣].
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)، قَالَ: هَذَا عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنَ الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠).
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ البعث ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ، أَيْ إِلَى صَاحِبِكِ وَجَسَدِكِ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْأَجْسَادِ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ، وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الحسن: ارْجِعِي إِلَى ثَوَابِ رَبِّكِ وَكَرَامَتِهِ رَاضِيَةً عَنِ اللَّهِ بِمَا أَعَدَّ لها مرضية رضي عنها ربها.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)، أَيْ مَعَ عِبَادِي فِي جَنَّتِي. وَقِيلَ: فِي جُمْلَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ الْمُطِيعِينَ الْمُصْطَفَيْنَ، نَظِيرُهُ: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩].
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَةِ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى الدُّنْيَا ارْجِعِي إِلَى اللَّهِ بِتَرْكِهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ هُوَ سُلُوكُ سَبِيلِ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيَرٍ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَشَهِدْتُ جِنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لم ير على صورة خلقه
(٢) زيادة من المخطوط.
(٣) عزاه المصنف لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص قوله، ولبعضه شواهد في المرفوع، وتقدمت.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
12 مقطع من التفسير