ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ

ودار السلام : هي الآخرة التي تختلف عن دار الدنيا المليئة بالمتاعب، هذه الدنيا التي تزهو وتتزخرف، وتنتهي إلى حطيم ؛ لذلك يدعو الله تعالى على دار أخرى، هي دار السلام ؛ لأن من المنغصات على أهل الدنيا، أن الواحد منهم قد يأخذ حظه جاها، ومالا، وصحة، وعافية، ولكن في ظل أرق من أمرين : الأول هو الخوف من أن يفوته هذا النعيم وهو حي، والثاني أن يفوت هو النعيم.
أما الآخرة فالإنسان يحيا فيها في نعيم مقيم ؛ ولذلك يقول الله سبحانه : والله يدعو إلى دار السلام .
وهذه الآخرة لن يشاغب فيها أحد الآخر، ولن تجد من يأكل عرق غيره ومثلها يحدث في الدنيا( ١ )، وإذا كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله، فنحن في الآخرة نعيش بالله سبحانه وتعالى، فكل ما يخطر على بالك تجده.
فإذا كانت الأسباب تتنوع في الدنيا وتختلف قدرات الناس فيها مع أخذهم بالأسباب، فإنهم في الآخرة يعيشون مع عطاء الله سبحانه دون جهد أو أسباب ؛ لأن درا السلام هي دار الله تعالى، فالله تعالى هو السلام.
ولله المثلى الأعلى، فأنت إذا دعاك ولي أمرك إلى داره، فهو يعد لدعوتك على قدره هو، وبما يناسب مقامه، فما بالك حين يدعوك خالقك سبحانه وقد اتبعت منهجه. إنه سبحانه هو القائل : إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون( ٢ )( ٥٥ ) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون( ٣ )( ٥٦ ) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون( ٥٧ ) سلام قولا من رب رحيم( ٥٨ ) [ يس ] : وهذا السلام ليس من البشر ؛ لأن من البشر من يعطيك السلام وهو يكن لك غير السلام، أو قد يعطيك السلام وهو يريد بك السلام، ولكنه من الأغيار( ٤ ) ؛ فيتغير فلا يقدر أن يعطيك هذا السلام، لكن إذا ما جاء السلام من الله تعالى، فهو سلام من رب لا يعجزه شيء، ولا يعوزه شيء، ولا تلحقه أغيار ؛ لذلك يقول سبحانه : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب( ٢٣ ) سلام عليكم.. ( ٢٤ ) [ الرعد ] : والملائكة حين يقولون ذلك إنما اخذوا سلامهم من باطن سلام الله تعالى، وحتى أصحاب الأعراف( ٥ ) الذين لم يدخلوا الجنة، ويرون أهل الجنة وأهل النار، هؤلاء يلقون السلام على أهل الجنة. وهكذا يحيا أهل الجنة في سلام شامل ومحيط ومطمئن ؛ لأن الداعي هو الله سبحانه، ولا أحد يجبره على أن ينقض سلامه.
ودعوة الله سبحانه هي منهجه الذي أرسل به الرسل ؛ ليحكم به حركة الحياة حركة إيمانية، يتعايش فيها الناس تعايشا على وفق منهج الله تعالى، بما يجعل هذه الدنيا مثل الجنة، ولكن الذي يرهق الناس في الدنيا أن بعض الناس يعطلون جزئية أو جزئيات من منهج( ٦ ) الله سبحانه.
وأنت إذا رأيت مجتمعا فيه لون من الشقاء في أي جهة ؛ فاعلم أن جزءا من منهج الله تعالى قد عطل.
ولو أن الناس قد ساروا على منهج الله سبحانه وتعالى ؛ لما كان بالوجود عورة واحدة ؛ فالذي يظهر عورات الوجود هو غفلة بعض الناس عن منهج الله سبحانه.
وأنت إن رأيت فقراء لا يجدون ما يأكلونه ؛ فاعلم أن هناك من عطل منهج الله تعالى، إما من الفقراء أنفسهم، الذين استمرأ( ٧ ) بعضهم الكسل، وإما أن الأغنياء قد ضنوا برعاية حق الله تعالى في هؤلاء الفقراء ؛ وبذلك يتعطل منهج الله سبحانه.
أما إذا سيطر منهج الله تعالى على الحياة ؛ لصارت الحياة مثل الجنة.
ويقول الحق سبحانه : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ونعلم أن الهداية نوعان : هداية الدلالة بالمنهج، فمن أخذ المنهج سهل الله تعالى له طريق الصراط المستقيم ؛ وبذلك انتقل العبد من مرحلة الهداية بالدلالة إلى الهداية بالمعونة، وحين تقوم القيامة يهديهم الله سبحانه بالنور إلى الجنة : يهديهم ربهم بإيمانهم.. ( ٩ ) [ يونس ] : إذن : فمن أخذ هداية الله بالدلالة وهي المنهج، واتبع هذا المنهج ؛ فالحق سبحانه يجعل له نورا يسعى بين يديه : نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.. ( ٨ ) [ التحريم ].
والحق سبحانه يقول : ويهدي من يشاء( ٢٥ ) [ يونس ] : لأن كل شيء في هذا الكون لا يخرج عن مشيئته سبحانه، فالقوانين لا تحكمه، بل هو الذي يحكم كل شيء.
وإذا كان الله قد بين من شاء هدايته، فهو أيضا قد بين لنا من شاء إضلاله بقوله سبحانه : والله لا يهدي القوم الكافرين( ٣٧ ) [ التوبة ]، وقوله سبحانه : والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ ) [ التوبة ] : إذن : فقد بين الحق سبحانه لنا من الذين يهديهم على الجنة ومن الذين لا يهديهم، فلا يقولن أحد : وما ذنب الكافرين والفاسقين( ٨ ) ؟ لأن الحق سبحانه قد بين منهجه، فمن أخذ به ؛ جعل له نورا يسعى بين يديه، ويدخله الجنة.

١ وفي هذا قول رب العزة عن أهل الجنة:لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما(٢٥) إلا قيلا سلاما سلاما(٢٦)[الواقعة]. فهم لا يسمعون فيها كلاما عبثا أو فيه قبح، بل قولهم لبعضهم سلاما سلاما، أي: تسليمهم على بعضهم، فهي دار السلام..
٢ في شغل فاكهون: مرفهون ناعمون بنعيم الجنة. قال تعالى:فاكهين بما آتاهم ربهم..(١٨)[الطور].[اللسان: مادة (فكه)-بتصرف]..
٣ على الأرائك متكئون قال المفسرون: الأرائك: السرر في الحجال، وقيل: هي الفرش. وقيل: الأريكة: سرير منجد مزين في قبة أو بيت. وقيل: الأريكة: هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة. قال تعالى:متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب..(٣١)[الكهف].[اللسان: مادة (أرك)-بتصرف]..
٤ فالسلام عند أهل الأغيار يتغير حسب المصالح، أما سلام الله فلا يلحقه التغيير ولا التبديل، لن وعده الحق، وقوله الصدق، وهو السلام، ومنه السلام..
٥ أصحاب الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيقفون بين الجنة والنار يوم القيامة، ينظرون إلى أهل هذه وأهل تلك، ينتظرون عفو الله عنهم، وفيهم قال سبحاه:وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون(٤٦) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين(٤٧)[الأعراف]..
٦ منهج الله تعالى: طريقه وشريعته، قال تعالى:لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا(٤٨)[المائدة]. فقد وضع منهجا للروح سموا، وللقلب حبا، وللنفس سكينة وللعقل فكرا وتأملا وللجسم حركة. ومنهج هذه الطاقات يوجد مجتمع الربوبية بعقيدة توحده، وعباده تحبه وتخشاه ومعاملات بأخلاق فإذا اختلت طاقة من هذه الطاقات بسبب نسيانه أو غفلة تعطل المسير في المنهج نحو الله جل علاه.
٧ استمرأ: استحسن الشيء واعتاده.[اللسان: مادة (مرأ)-بتصرف].
٨ يقول الحق سبحانه:ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى(١٢٤) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا(١٢٥) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى(١٢٦)[طه]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير