الفرج بعد الشدة :
حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ١١٠ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [ يوسف : ١١٠ -١١١ ].
تفسير المفردات : الظن هنا : إما بمعنى اليقين وإما بمعنى الحسبان والتقدير. والبأس : العقاب.
الإيضاح : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا أي وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى فدعوا من أرسلوا إليهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له فكذبوا بما جاؤوهم به، وردوا ما أتوا به من عند ربهم، حتى إذا يئس الرسل من إيمانهم، لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع، وظنّت الأمم أن الرسل الذين أرسلوا إليهم قد كذبوهم فيما كانوا اخبروهم عن الله من وعده لهم النصر عليهم جاءهم نصرنا.
وهذه سنة الله في الأمم، يرسل الرسل بالبينات ويؤيدهم بالمعجزات، حتى إذا أعرضوا عن الهداية، وعاندوا رسل ربهم، وامتدت مدة كيدهم وعدوانهم، واشتد البلاء على الرسل واستشعروا بالقنوط من تمادي التكذيب وتراخي النصر جاءهم نصر الله فجأة، وأخذ المكذبين العذاب بغتة، كالطوفان الذي أغرق قوم نوح، والريح التي أهلكت عادا قوم هود، والصيحة التي أخذت ثمود، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها كما قال : ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ التوبة : ٧٠ ].
وفي هذا تذكير لكفار قريش بأن سنته تعالى في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم حلّ لهم من العذاب ما حلّ بأمثالهم من أقوام الرسل كما قال في سورة القمر : أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر [ القمر : ٤٣ ] وقد نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وما بعدها من الغزوات، وأهلك الجاحدين المعاندين من قومه.
روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت لابن أختها عروة بن الزبير وهو يسألها عن قول الله تعالى : حتى إذا استيأس الرسل الآية، هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عليهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك.
وعن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ وظنوا أنهم قد كذبوا – مخففة - أخرجه ابن مردويه من طريق عكرمة، ونحوه عن ابن عباس قال :" يئس الرسل أن يستجيبوا لهم وظنّ قومهم أن الرسل كذبوهم بما جاؤوهم به جاءهم نصرنا. ونحوه عن ابن مسعود قال : حفظت عن رسول الله في سورة يوسف أنهم قد كذبوا مخففة اه.
فنجي من نشاء أي فنجى الرسل ومن آمن بهم من أقوامهم، لأنهم بحسب ما وضع الله من تأثير الأعمال في طهارة النفوس وزكائها هم الذين يستحقون النجاة دون غيرهم كما قال : قد أفلح من زكاها ٩ وقد خاب من دساها [ الشمس : ٩ -١٠ ].
ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين أي ولا يمنع عقابنا وبطشنا عن القوم الذين أجرموا فكفروا بالله وكذبوا رسله، وما أتوهم به من عند ربهم.
وقد جرت سنة الله أن يبلّغ الرسل أقوامهم ويقيموا عليهم الحجة وينذرهم سوء عاقبة الكفر والتكذيب، فيؤمن المهتدون ويصرّ المعاندون، فينجي الله الرسل ومن آمن من أقوامهم ويهلك المكذبين.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد والوعيد لكفار قريش ومن على شاكلتهم من المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير المراغي
المراغي