قال لا يأتيكما طعامُ تُرزِقَانِه في النوم، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكُما تأويله في الدنيا. أو : لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة ؛ لتأكلاه إلا أخبرتكما به، ما هو ؟ وما لونه ؟ وما صفته ؟ وكم هو ؟ قبل أن يأتيكما، إخباراً بالغيب، فيأتيهما كذلك ؛ معجزة. وصَفَ نفسَه بكثرة العلم والمكاشفة ؛ ليكون وسيلة إلى دعائهما إلى التوحيد.
ثم قال لهما : ذلكما مما علمني ربي بالوحي والإلهام. وليس ذلك من قبيل التكهن أو التنجيم. رُوي أنهما قالا له : من أين لك هذا العلم، وأنت لست بكاهن ولا منجم ؟ فقال لهما : ذلكما مما علمني ربي إني تركتُ مِلّةََ ؛ طريقة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون أي : علمني ذلك لأني تركت ملة أهلِ الكفر.
وقوله تعالى : ودخل معه السجن فتيان : إشارة إلى أن امتحانه بالسجن كان لتكميل حقيقته وشريعته، فمن رأى أنه يحمل الطعام فإشارة إلى حمل لواء الشريعة، ومن رأى أنه يعصر خمراً فإشارة إلى تحقيق خمرة الحقيقة، فيكون من أهل مقام الإحسان، ولذلك قال : إنا نراك من المحسنين ، ثم ذكر نتيجة مقام الإحسان ـ وهو التوحيد الخاص ـ فقال : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء . وذكر أن ذلك ناله من باب الكرم لا من باب العمل، فقال : ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس . والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي