وجملة قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا مستأنفة جواب سؤال مقدّر، ومعنى ذلك أنه يعلم شيئاً من الغيب، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلاّ أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما، وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه السلام مقدّمة قبل تعبيره لرؤياهما بياناً لعلوّ مرتبته في العلم، وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظنّ وتخمين، فهو كقول عيسى عليه السلام وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ [ آل عمران : ٤٩ ] وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر ؛ ومعنى ترزقانه يجري عليهما من جهة الملك أو غيره، والجملة صفة لطعام، أو يرزقكما الله سبحانه، والاستثناء بقوله : إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ مفرّغ من أعمّ الأحوال : أي : لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما أي : بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما، وسماه تأويلاً بطريق المشاكلة ؛ لأن الكلام في تأويل الرؤيا، أو المعنى : إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع، والإشارة بقوله : ذلكما إلى التأويل، والخطاب للسائلين له عن تعبير رؤياهما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبّى بما أوحاه إليّ وألهمني إياه : لا من قبيل الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ترك الملة التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال : إِنّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وهو كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله، والمراد بالترك : هو عدم التلبس بذلك من الأصل، لا أنه قد كان تلبس به، ثم تركه كما يدلّ عليه قوله : مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله ثم وصف هؤلاء القوم بما يدلّ على تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه. فقال : وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون أي : هم مختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله.
وأقول : إن كان المراد بالآيات : الآيات الدالة على براءته فلا يصح عدّ قطع أيدي النسوة منها، لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن مع ما ألبسه الله سبحانه من الجمال، الذي تنقطع عند مشاهدته عرى الصبر، وتضعف عند رؤيته قوى التجلد، وإن كان المراد بالآيات الدالة على أنه قد أعطي من الحسن ما يسلب عقول المبصرين، ويذهب بإدراك الناظرين، فنعم يصح عدّ قطع الأيدي من جملة الآيات، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : عوقب يوسف ثلاث مرات : أما أوّل مرة فبالحبس لما كان من همّه بها، والثانية لقوله : اذكرني عِندَ رَبّكَ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ عوقب بطول الحبس، والثالثة حيث قال : أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ فاستقبل في وجهه : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله : إِنّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا قال : عنباً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ قال : عبارته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين قال : كان إحسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزّي حزينهم، ويداوي مريضهم. ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عن الضحاك قال : كان إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه. وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : دعا يوسف لأهل السجن فقال : اللهمّ لا تعمّ عليهم الأخبار، وهوّن عليهم مرّ الأيام.
وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ الآية، قال : كره العبارة لهما فأجابهما بغير جوابهما ليريهما أن عنده علماً، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه، فقال يوسف : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلى قوله : يَشْكُرُونَ فلم يدعه صاحبا الرؤية حتى يعبر لهما، فكره العبارة فقال : يا صاحبي السجن ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ إلى قوله : ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ قال : فلم يدعاه فعبر لهما. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس قال : إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما بالناس من نعم الله، وذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول : يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ الآية، قال : لما عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله : ذلك الدين القيم قال : العدل، فقال :
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ( ٤١ ) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( ٤٢ )
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني