ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ( ٣٦ ) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ( ٣٧ ) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ( ٣٨ )
سيرة يوسف عليه السلام في السجن
هذه الآيات الثلاث في إظهار معجزة النبوة، والتمهيد لدعوة الرسالة.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه وهو ما لا تدرون من حيث لا تدرون، وإني وإياكم في هذا السجن لمحجوبون إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما أي أخبرتكما به وهو عند أهله وبما يريدون من إرساله وما ينتهي إليه بعد وصوله إليكما : أنبئكما بكل هذا من شأن هذا الطعام قبل أن يأتيكما، روي أن رجال الدولة كانوا يرسلون إلى المجرمين أو المتهمين طعاما مسموما يقتلونهم به وأن يوسف أراد غذاء، وما قلته يشمل هذا إذا صح، وهو ما يفهم من تسمية إنبائهما به تأويلا، فإن التأويل الإخبار بما يؤول إليه الشيء، وهو ما يفهم من تسمية إنبائهما به تأويلا، فإن التأويل الإخبار بما يؤول إليه الشيء وهو فرع معرفته، ولذلك قال بعضهم : إنه سماه تأويلا من باب المشاكلة لما سألاه عنه من تأويل رؤاهما، وقال بعضهم : إن المراد لا تريان في النوم طعاما يأتيكما إلا نبأتكما بتأويله، وهو بعيد. وفسر الزمخشري ومن قلده تأويله [ ببيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه ] اه وهو تكلف سرى إليه من مفهوم التأويل في اصطلاح علماء الكلام وأصول الفقه لا من صميم اللغة.
ذلكما مما علمني ربي أي ذلك الذي أنبئكما به بعض ما علمني ربي بوحي منه إلي، لا بكهانة ولا عرافة ولا تنجيم، ولا ما يشبهما من طرق صناعية أو تعليم بشري يلتبس به الحق بالباطل، ويشتبه الصواب بالخطأ، فهو آية له كقول عيسى لبني إسرائيل من بعده وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم [ آل عمران : ٤٩ ] إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله خالق السماوات والأرض وما بينهما كما يجب له من التوحيد والتنزيه، أي تركت دخولها وإتباع أهلها من عابدي الأوثان المنتحلة على كثرة أهلها ودعوتهم إليها، وليس المعنى أنه كان متبعا لها ثم تركها، فقوله تعالى : أيحسب الإنسان أن يترك سدى [ القيامة : ٣٦ ] أي بعد موته فلا يبعث، ليس معناه أنه كان سدى قبله، فترك الشيء يصدق بعدم ملابسته مطلقا، وبالتحول عنه بعد التلبس به، ويفرق بينهما بقرينة الحال أو المقال أو كليهما كما هنا.
والمتبادر أنه أراد بهؤلاء القوم الكنعانيين وغيرهم من سكان أرض الميعاد التي نشأ فيها، والمصريين الذين هو فيهم وبينهم فإنهم اتخذوا من دون الله آلهة معروفة في التاريخ أعظمها الشمس واسمها عندهم [ رع ] ومنها فراعنتهم والنيل وعجلهم [ أبيس ] وإنما كان التوحيد خاصا بحكمائهم وعلمائهم.
وهم بالآخرة هم كافرون أي وهم الآن يكفرون بالمعنى الصحيح للآخرة فإن المصريين وإن كانوا يؤمنون بالآخرة والحساب والجزاء الذي دعا إليه الأنبياء إلا أنه فشا فيهم تصوير هذا الإيمان بصور مبتدعة، ومنها أن فراعنتهم يعودون إلى الحياة الأخرى بأجسادهم المحنطة، ويعود لهم السلطان والحكم، ولهذا كانوا يدفنون أو يضعون معهم جواهرهم وغيرها، ويبنون الأهرام لحفظ جثثهم وما معها، ولعله لهذا أكد الحكم بالكفر بها بإعادة الضمير " هم " ليبين أن إيمانهم بالآخرة على غير الوجه الذي جاءت به الرسل، فهو غير صحيح.
تفسير المنار
رشيد رضا