مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) .
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخِطَابَ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَهْلِ السِّجْنِ، وَكُلَّ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنْ [أَهْلِ] (١) الشِّرْكِ، إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً وَأَرْبَابًا خَالِيَةً عَنِ الْمَعْنَى لَا حَقِيقَةَ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، إِنِ الْحُكْمُ مَا الْقَضَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الْمُسْتَقِيمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ثُمَّ فَسَّرَ رُؤْيَاهُمَا فَقَالَ: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا.
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، فَيَسْقِي رَبَّهُ [يَعْنِي الْمَلِكَ] (٢) خَمْرًا وَالْعَنَاقِيدُ الثَّلَاثَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ ثُمَّ يَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ (٣) أَيَّامٍ، وَيَرُدُّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ يَعْنِي: صَاحِبَ الطَّعَامِ فَيَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالسِّلَالُ الثَّلَاثُ الثَّلَاثَةُ (٤) أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ، فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا سَمِعَا قَوْلَ يُوسُفَ قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ يُوسُفُ: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٥)، أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي عَنْهُ تَسْأَلَانِ، وَوَجَبَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمَا بِهِ، رَأَيْتُمَا أَوْ لَمْ تَرَيَا.
وَقَالَ يَعْنِي: يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، لِلَّذِي ظَنَّ عَلِمَ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا وَهُوَ السَّاقِي، اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ فِي السِّجْنِ غُلَامًا مَحْبُوسًا ظُلْمًا طَالَ حَبْسُهُ.
(٢) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(٣) في "ب": ثلاثة.
(٤) في "ب": ثلاثة.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (٤ / ٥٤٠) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ قِيلَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ السَّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ، تَقْدِيرُهُ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَهُ لِرَبِّهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ حِينَ ابْتَغَى الْفَرَجَ، مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ، وَتِلْكَ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنَ الشَّيْطَانِ (١).
فَلَبِثَ فَمَكَثَ، فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبِضْعِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى السَّبْعِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا دُونُ الْعَشَرَةِ.
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ سِنِينَ، وَكَانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَهُ خَمْسَ سِنِينَ فَجُمْلَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ وَهْبٌ: أَصَابَ أَيُّوبَ الْبَلَاءُ سَبْعَ سِنِينَ، وَتُرِكَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، وَعُذِّبَ بُخْتَنَصَّرُ فَحُوِّلَ فِي السِّبَاعِ سَبْعَ سِنِينَ (٢).
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، قِيلَ لَهُ: يَا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكَى يُوسُفُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى فَقُلْتُ كَلِمَةً وَلَنْ أَعُودَ (٣).
وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلَى يُوسُفَ فِي السِّجْنِ، فَلَمَّا رَآهُ يُوسُفُ عَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ
(٢) قال الطبري في التفسير: (١٦ / ١١٥) :"والصواب في البضع" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المائة، وما زاد على المائة فلا يكون فيه "بضع".
(٣) أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ١١١.
مَالِي أَرَاكَ بَيْنَ الْخَاطِئِينَ؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا طَاهِرَ الطَّاهِرِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنِ اسْتَشْفَعْتَ بِالْآدَمِيِّينَ، فَوَعِزَّتِي لَأُلْبِثَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، قَالَ يُوسُفُ: وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَنِّي رَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذًا لَا أُبَالِي.
وَقَالَ كَعْبٌ: قَالَ جِبْرِيلُ لِيُوسُفَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ خَلَقَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ نَجَّاكَ مِنْ كَرْبِ الْبِئْرِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ عَلَّمَكَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ صَرْفَ عَنْكَ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَكَيْفَ اسْتَشْفَعَتْ بِآدَمِيٍّ مِثْلِكَ؟ (١).
فَلَمَّا انْقَضَتْ سَبْعُ سِنِينَ -قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَهَذَا السَّبْعُ سِوَى الْخَمْسَةِ (٢) الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ-وَدَنَا فَرَجُ يُوسُفَ، رَأَى مَلِكُ مِصْرَ الْأَكْبَرُ رُؤْيَا عَجِيبَةً هَالَتْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَ عَقِبَهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ عِجَافٌ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ فَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْعِجَافِ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ رَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهُا، [وَسَبْعًا أُخْرَى] (٣) يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى غَلَبْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ خُضْرَتِهَا شَيْءٌ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ (٤) وَالْمُعَبِّرِينَ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
(٢) ظاهر الآيات لا يدل على أن هناك خمسا قبل ذلك، والله أعلم.
(٣) في "ب": وسبع أخر.
(٤) في هامش "أ": الحازة: المنجمون.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر