ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

٧٢٣- هو استثناء مفرغ لتوسطه بين الفعل والمفعول.
وفيه أسئلة وهي أن يقال : ما معنى " من " في قوله : من دونه ؟ فإن قلتم : زائدة، ف " من " عند سيبويه لا تزاد في الواجب. وإن قلتم : ليست زائدة، فهل هي لابتداء الغاية أو لغير ذلك ؟ فإن كانت لابتداء غاية العبادة، فالقاعدة أن الذي يجعل ابتداء غاية لا يدخل في حكم المغيا، فيكون جملة ما يصدق عليه أنه دون الله تعالى لا يعبد منه شيء، وإنما عبد شيء غير ذلك، وهذا محال ألا يعبد الله تعالى، ولا يعبد شيء من الذي يصدق عليه أنه دون الله تعالى، ويعبد مع ذلك شيء آخر. فهذا مشكل في غاية الإشكال. وكيف حصر الأصنام في الأسماء ألفاظ، والصنم ليس لفظا ؟ وما المستثنى والمستثنى منه في الآية ؟
والجواب :
أما " من " فليست زائدة، لأن الكلام موجب و " من " لا تزاد في الموجب، وهي لابتداء الغاية أو التبعيض لا تخرج عنهما. و " دون " في أصلها ظرف مكان. فإذا قلنا : " زيد جلس دون عمرو " فمعناه في المكان النازل عنه ببعد ما. وقد يستعمل بمعنى " غير " مجازا على الاتساع، وقع ذلك في كلام العلماء في التفسير وغيره.
وكذلك اختلف العلماء في ابتداء الغاية وانتهائها، هل تدخل في الحكم المغيا أم لا ؟
فإذا قال القائل : " بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة "، هل تدخل الشجرتان أم لا ؟ أربعة أقوال : الفرق بين أن يكون من جنس الشجرة المبيع فيدخلان أولا يدخلان بأن يكونا رمانا والشجر المبيع تفاحا. والرابع : الفرق أن يكون الفصل بينهما جنسا، كقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل ١ فلا يدخلان أولا فيدخلان، نحو قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق ٢
فإذا تقررت هذه المقدمات، فنقول : أما كونها للتبعيض فلا يصح، لأن " من " التي للتبعيض هي التي يحسن مكانها لفظ " بعض ". الظرف هاهنا لا يكون معبودا فيتعين حملها على ابتداء الغاية. فإن فرعنا على عدم اندراج ابتداء الغاية فيها فيكون جملة ما هو " دون "، ويصدق عليه أنه دون الله تعالى لم يعبد، وعلى هذا تتعذر عبادة الله تعالى على الإطلاق في حق هؤلاء، وهو خلاف المقصود في الآية، لأن ما من شيء يفرض معبودا إلا هو دون الله خلاف، وعدم الاندراج هو الظاهر، فإنك إذا قلت : " سرت من النيل إلى مكة "، فالظاهر أنك تركت النيل بجملته وراءك، ولم يقع السير في بعضه، بل من جانبه الذي يلي مكة، وإن فرعنا على اندراجه، فيكون جملة ما هو موصوف بأنه دون الله تعالى معبودا.
لكن مقصود الآية : إن العبادة وقعت فيه وحده، فيحصل في الحكم ابتداء الغاية غير مضاف لغيرهن وابتداء الغاية لا يعقل إلا مضافا، فالشيء هو ابتداؤه، وهاهنا ليس كذلك في الآية، سواء جعلنا ابتداء الغاية مندرجا أم لا، وسواء جعلنا من للتبعيض أم لا. ولا يستقيم فيها إلا أن تكون زائدة على رأي سيبويه، ويكون معناها : " ما تعبدون دون الله "، أي كائنا دون الله، أي واقعا من هذا الظرف، لكنه أيضا يشكل لكونه خلاف مذهب سيبويه.
والتبعيض يشكل، لتعذر تقدير البعض مكانها، ودخول الغاية وخروجها يشكل أيضا، ثم في دخول ابتداء الغاية إشكال آخر من جهة أخرى، وهي أن من شرط الغاية أن يتكرر المغيا في ابتدائها ووسطها ونهايتها، يتكرر مرارا، حتى يصدق عليه أنه مغيا.
فإذا كان " دون الله " هو ابتداء الغاية فما بقي يمكن تكرر هذا الحكم إلا في حق الله تعالى، فيكون مقصودا بهذا الكلام وليس هو المقصود في هذه الآية، إنما المقصود الحكم على ما هو دون الله تعالى. فهذه الآية السلب فيها عام، والثبوت يحتمل العموم بأن يكون كل ما هو معبود دون الله تعالى أسماء ويحتمل عدم العموم بأن يكون ما هو دون الله تعالى بعضه لم يعبد البتة، فيعم السلب دون الثبوت. وبالجملة فهذه دقائق من النظر تحتاج إلى فكر سديد.
فإن قلت، قوله تعالى : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها حكم في سياق النفي، و " من " عند سيبويه تزاد في النفي، فتكون زائدة، ولا يلزم خلاف مذهب سيبويه، وكذلك فيما ذكر منها من النظائر مثل قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ونحوه.
قلت : النفي إذا دخل على الفعل انتفى الفعل، وكذلك فاعله ومفعوله، نحو : " ما قام أحد "، و " ما ضربت أحدا ". أما متعلقات الفعل البعيدة لا يلزم أن يكون مقضيا عليها بالنفي، كقولك : " ما قام أحد في الدار أو في الدور "، ليست الدور محكوما عليها بالنفي، وكذلك الظروف كلها والتوابع البعيدة لا تدخل في النفي، ولا يقال : " هي منفية "، ولا من فيها في سياق النفي. بل غيرها محكوم عليه بالنفي فيها، لا أنها محكوم عليها بالنفي.
فإذا قلت : " ما رأيت أحدا قبلك " فالقبل ليس محكوما عليه بالنفي، بل محكوم بالنفي على غيره فيه. فتأمل ذلك فهو يلتبس على كثير من النحاة والأصوليين، فعلى هذا من في الآية في الإيجاب لا في النفي، فلا تكون زائدة على رأي سيبويه.
وأما حضر الأصنام في الألفاظ مع أنها ليست ألفاظها، فهو صحيح على معنى المجاز والمبالغة لا على معنى الحقيقة، فإن الشيء لا يحصر فيما لا يصدق عليه، بل لا يجوز الحكم به عليه من غير حصر. فلولا قال القائل : الصنم لفظ، لم يصح، بل المقصود الآية أن هذه أصنام انتهت في عدم الاعتبار إلى أن حقائقها كأنها لم توجد حتى لم يبق منها إلا الأسماء.
ومعنى الكلام : ما هي إلا عبارات وألفاظ وليس تحتها معنى، ومثله قوله تعالى : إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ٣ أي : لا حاصل تحتها، فهو من باب القضاء على الشيء بالنفي، لنفي جدواه، كقوله تعالى : صم بكم عمي ٤ وفي الآية الأخرى : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ٥، نفوا عقولهم وأسماعهم لنفي جدواها. وقد أنشد البغاذة في الخلاوي الذي لهم هذا المعنى بعينه تأسيا بالكتاب العزيز، أو أنه معنى معقول في اللغة، فقال شاعرهم :
أغار من في إن كناك أو سمى*** وأنت في خاطري من ناظري أسمى
من هند من دعد من ليلى ومن أسما*** الكل أنت وهذي كلها أسما
أي : لا حقائق لها في الاعتبار. فهذا وجه الحصر في الأسماء على وجه المجاز والمبالغة. وأما المستثنى والمستثنى منه في هذه الآية، فإن المستثنى منه هاهنا هو الموجودات العامة.
ومعنى الكلام : " ما الأصنام موجودا من الموجودات إلا موجود هو لفظ فقط "، وأما سائر ما يوصف بمطلق الموجود فمنفي عنها على سبيل المبالغة. وكذلك الآية الأخرى، وهي قوله تعالى : إن هي إلا أسماء سميتموها ، ويكون الاستثناء في اللفظ باعتبار خبر مبتدأ، فالأخبار المتوهمة لهذا المبتدإ كلها منفية إلا هذا الخبر وهو الألفاظ. وليس هذا من باب الاستثناء من الأحوال والصفات، لأن الأحوال والصفات إنما يتصرف فيها نفيا وإثباتا بعد ثبوت موجود متقرر، فتنفي عنه صفة أو حالة، وتثبت له أخرى.
فإذا قلنا : " لا حالة لزيد إلا السفر " فهذا فرع وجوده. وفي هاتين الآيتين أصل الوجود قد فرض نفيه على سبيل المبالغة، فلم يبق إلا مطلق الوجود هو الذي وقع التصرف فيه، فهذا فرق لا ينبغي إهماله فتأمله. فهذه الآية ونحوها من المشكلات بتحقيق استثنائها، وقد حركت فيها تحريكا وسطا من غير إسهاب يبين لك وجه إشكالها. ( نفسه ٢٠٩ إلى ٢١٥ ).

١ - سورة البقرة: ١٨٧..
٢ - سورة المائدة: ٦..
٣ - سورة النجم: ٢٣..
٤ - سورة البقرة: ١٨ و١٧١..
٥ - سورة الملك: ١٠..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير