الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ
كَيْفَ سَأَلَ الْإِمَارَةَ وَطَلَبَ الْوِلَايَةَ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَمُرَةَ :( لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، وَإِنَّك إنْ سَأَلَتْهَا وُكِلْت إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْهَا أُعِنْت عَلَيْهَا ). وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ؟ ).
وَعَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إنِّي حَسِيبٌ كَرِيمٌ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ). وَلَا قَالَ : إنِّي مَلِيحٌ جَمِيلٌ، إنَّمَا قَالَ : إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، سَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ لَا بِالْحَسَبِ وَالْجَمَالِ.
الثَّانِي : سَأَلَ ذَلِكَ لِيُوَصِّلَ إلَى الْفُقَرَاءِ حُظُوظَهُمْ لَا لحَظِّ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَأَرَادَ التَّعْرِيفَ بِنَفْسِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ : فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ.
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : كَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَقْبَلَهَا بِتَوْلِيَةِ كَافِرٍ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ نَبِيٌّ ؟
قُلْنَا : لَمْ يَكُنْ سُؤَالَ وِلَايَةٍ ؛ إنَّمَا كَانَ سُؤَالَ تَخَلٍّ وَتَرْكٍ، لِيَنْتَقِلَ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمَكَّنَهُ مِنْهَا بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ وَالْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ وَالسُّلْطَانِ وَالْقَهْرِ، لَكِنَّ اللَّهَ أَجْرَى سُنَّتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، فَبَعْضُهُمْ عَامَلَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالْقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَبَعْضُهُمْ عَامَلَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالسِّيَاسَةِ وَالِابْتِلَاءِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَهِيَ الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ.
أحكام القرآن
ابن العربي