السحرة والكهنة؟! قال: نعم، فأقبل على يوسف وقال: إني (١) أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهًا، فأجابه يوسف بما شفاه وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قال له الملك: قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ يقال: فلان مكين عند فلان بين المكانة، أي: المنزلة، وهي حال يتمكن بها مما يريد (٢).
وقوله تعالى "أمين" قال الزجاج (٣): أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما قرفت به.
وقال مقاتل (٤): المكين تفسيره: الوجيه، والأمين الحافظ. وقال عطاء عن ابن عباس (٥): يريد مكنتك ملكي، وجعلت سلطانك فيه كسلطاني وائتمنتك فيه.
٥٥ - قوله تعالى قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ قال المفسرون (٦): لما عبّر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعًا كثيرا وتبني الأهرا (٧) والخزائن وتجمع الطعام فيها؛ ليأتيك الخلق من النواحي، فيمتارون منك بحكمك (٨)، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال
(٢) ما سبق في الرازي ١٨/ ١٥٩.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٦.
(٤) "تفسير مقاتل" ١٥٥ أ، و"زاد المسير" ٤/ ٢٤٣.
(٥) "زاد المسير" ٤/ ٢٤٣.
(٦) الثعلبي ٧/ ٨٩ ب.
(٧) كذا في جميع النسخ والصحيح "الأهرام" كما في الوسيط ٢/ ٦١٨.
(٨) في (ج): (بحكمتك).
الملك: ومن لي بهذا (١)، ومن يجمعه ويكفي الشغل فيه؟، فقال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض إني على حفظها، ثم حذف المضاف.
وقوله: الْأَرْضِ قال المفسرون (٢): يعني أرض مصر.
وقال أهل العربية (٣): يعني خزائن أرضك، فجعلت الألف واللام بدلاً من تعريف الإضافة كقول النابغة (٤):
والأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ
يريد: وأحلامهم.
روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رحم الله يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة" (٥).
فإن قيل: لِمَ طلب يوسف الإمارة، والنبي - ﷺ - قال لعبد الرحمن بن سمرة "يا عبد الرحمن لا تسل الإمارة" (٦)؟.
(٢) الرازي ١٨/ ١٦٠، البغوي ٤/ ٢٥١، ابن عطية ٨/ ٧.
(٣) الطبري ١٣/ ٥، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.
(٤) جزء من عجز بيت، وتمامه:
| لهم شيمة لم يعطها الدهر غيرهم | من الناس، والأحلام غير عوازب |
من الجود والأحلام غير كواذب
(٥) الثعلبي ٧/ ٩٠ أ، و"زاد المسير" ٢٤٣/ ٤، والقرطبي ٢١٣/ ٩ قال الحافظ ابن جر في "الكاف الشاف" ص ٩٠ "أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق ابن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه وهذا إسناد ساقط، وقال الألباني. موضوع، انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٣٢٩).
(٦) الحديث أخرجه البخاري (٦٦٢٢) كتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى =
والجواب من هذا ما ذكره أبو إسحاق (١) قال: إن الأنبياء بعثوا لإقامة الحق والعدل ووضع الأشياء مواضعها، وعلم يوسف - ﷺ - أنه لا أحد أقوم بذلك ولا أوضع له في مواضعه منه، فسأل ذلك إرادة للصلاح.
وقوله تعالى: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يضيع من ذلك عندي شيء، عليم بما أفعل ويصلح ملكك.
وقال قتادة (٢): حفيظ لما وليت، عليم بأمره ونحوه.
قال ابن إسحاق (٣) وأبو إسحاق (٤): وقال جماعة: يريد أني كاتب حاسب.
فإن قيل (٥): لِمَ ترك الاستثناء في هذا بأن يقول: إن شاء الله، وإدخال الاستثناء في مثل هذا أوجب في كلام مثله؟. ولِمَ مدح نفسه بالحفظ والعلم؟
والجواب أن يقال: أما تركه الاستثناء فإن ذلك كان منه خطيئة أوجبت عليه من الله العقوبة، بأن أخر تمليكه عن ذلك الوقت، ذكر مقاتل ابن سليمان (٦): أن النبي - ﷺ - قال: "إن يوسف قال: إني حفيظ عليم، لو قال: إن شاء الله، لملك من وقته ذلك"، ويمكن أن يقال: إنه أضمر في
وأخرجه مسلم (١٨٢٤) في الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٦.
(٢) و (٣) الطبري ١٣/ ٥، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٦.
(٥) "زاد المسير" ٤/ ٢٤٤، والرازي ١٨/ ١٦٠.
(٦) "تفسيرمقاتل" ١٥٥ أ، و"زاد المسير" ٤/ ٢٤٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي