قال يوسف اجعلني على خزائن الأرض أي خزائن طعام أرض مصر وأموالها إني حفيظ للخزائن بما يستحقها عليم بوجوه مصالحها.
وصف يوسف عليه السلام نفسه بالأمانة والكفاية وطلب الولاية، ليتوصل بها إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل مما يبعث لأجله الأنبياء إلى العباد، لعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فما كان طلبه الولاية إلا لابتغاء وجه الله لا لحب الجاه والدنيا، ومن هذا القبيل اشتغال الخلفاء الراشدين بأمر الخلافة، ومعارضة علي معاوية في هذا الأمر، لكونه أحق وأقوى وأقدر على نفسه وأقوم على إنفاذ الشرائع، وقال البيضاوي لعل يوسف، لما رأى أن يستعمله الملك في أمر لا محالة، آثر ما يعم فوائده ويجل عوائده، وفيه دليل على جواز طلب الولاية والقضاء، وإظهار أنه مستعد لها إن كان آمنا على نفسه، وعلى جواز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر أو كافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسية الخلق إلا بتمكين ذلك الكافر أو الجائر، وقد كان السلف من هذه الأمة يتولون القضاء من جهة الظلمة، وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له، روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك السنة فأقام في بيته سنة مع الملك ) وبإسناده عن ابن عباس قال : لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة، دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه، ووضع له السرير من ذهب مكللا بالدر والياقوت، وضرب عليه كله من إستبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج فخرج متوهجا لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه، قاله ابن إسحاق. وقال ابن زيد : وكان لملك مصر ريان خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه، وجعل أمره وقضاءه نافذا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال : ذكروا أن قطفير هلك في تلك الليالي، فزوج الملك يوسف زليخا امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ فقالت : أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسنا وجمالا، ناعمة كما ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت، فزعموا أنه وجدها يوسف عذراء، فأصابها فولدت له رجلين أفرائيم وميثا.
التفسير المظهري
المظهري