وقوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم هذا ليس طلبا من يوسف للولاية من أصلها، فقد ولاه الملك بمجرد ما دعاه إليه وقال : إيتوني به أستخلصه لنفسي ، وإنما هو تنبيه من يوسف للملك إلى نوع العمل الخاص الذي يرى نفسه أهلا للقيام به، بعد تكليفه من طرف الملك تكليفا عاما، فقد كان يوسف يعلم أن مصر مقبلة على أيام شدة وأيام رخاء، كما فهمه من رؤيا الملك التي عبرها له أحسن تعبير، وكان يحس من أعماق نفسه أنه إذا وضعت خزائن مصر تحت إشرافه المباشر تصرف في غلاتها التصرف الأحوط والأرشد والأصلح لعموم الناس، واستعد الاستعداد اللازم للطوارئ المنتظرة في السنوات المقبلة.
فلفت نظر الملك إلى نوع المسؤولية التي يستطيع تحملها على بينة وعن جدارة، حتى لا يكلفه الملك بمسؤولية أخرى يكون حظ نجاحه فيها أقل.
وقوله في هذا السياق إني حفيظ عليم تبرير منه لهذا الاختيار، فهو يعرف من نفسه أنه موصوف بالحفظ والصيانة، اللازمين لكل خزانة، وهو على خبرة بالعلم المناسب لهذا النوع من العمل، ولكل عمل علمه الخاص به. وقد اعتمد يوسف في مجال المسؤولية والخدمة العامة على ما أكرمه الله به من حفظ وعلم، وهما من الخصال المعنوية البحتة، ولم يعرج مطلقا على ما آتاه الله من حسن وحسب ونسب، إذ لا دخل لها في الموضوع.
وهذا المعنى الذي فسرنا به الآية لا يتعارض في شيء مع قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمان بن سمرة فيما رواه مسلم :( لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها )، ولا مع قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه مسلم أيضا ( إنا لا نستعمل على عملنا من أراده ). إذ موضوع الحديثين هو التهالك على الولاية العامة وطلبها من أصلها، لا مجرد اختيار نوع العمل، بعد الاستدعاء لها والتكليف بها.
وتساءل البعض كيف استجاز يوسف عليه السلام لنفسه أن يقبل الولاية من كافر، وأجيب عنه بأنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال " نص على ذلك أبو القاسم ابن جزي في تفسيره ". كما أجيب عنه بأن معاملة الأنبياء لغيرهم لم تكن على وتيرة واحدة، بل كانت أحيانا بالسلطة والاستعلاء، وأحيانا بالسياسة والابتلاء، وهذا منها، كما نص عليه أبو بكر " ابن العربي " في أحكام القرآن.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري