ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

قال اجعلني على خزائنِ الأرض أي : أرض مصر إلى أمرها. والخزائن : كل ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما. إني حفيظٌ لها ممن لا يستحقها، عليم بوجوه التصرف فيها. قال البيضاوي : ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعم فوائده وعوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهار أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد : أن الملك أسلم على يديه. ه. قلت : وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه.
وقال ابن عطية : وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه عليه السلام ؛ لرغبته أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر رضي الله عنه في الخلافة، مع نهيه المستشيرَ له من الأنصار عن أن يتأمَّر على اثنين. فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه. ه. وفي " الاكتفاء في أخبار الخلفاء " : أن عمر أراد أبا هريرة على العمل، فامتنع، فقال له : أوليس يوسف خيراً منك، وقد طلب العمل ؟ فقال : يوسف نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمَةَ، فأنا أخاف ثلاثاً واثنين : أن أقول بغير علم، وأقضي بغير عدل، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، ويؤخذ مالي. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الآية ثلاث فوائد : الأولى : مدح التأني في الأمور، ولو كانت جلالية ؛ لأنه يدل على كمال العقل والرزانة، وطمأنينة القلب. وذم العجلة ؛ لأنها من خفة العقل والطيش، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف عليه السلام في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث " التَأَنِّي مِن اللَّهِ، والعَجَلَةُ من الشَّيطَانِ " ١.
الثانية : عدم تزكية النفس، ودوام اتهامها، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدم في قوله تعالى : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ [ الأنعام : ٧٠ ]، وقال بعض الصوفية : وكيف يصلح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول : إنا النفس لأمارة بالسوء ، والنفوس ثلاثة : أمارة، ولوامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم : اللهامة من قوله تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [ الشمس : ٨ ]..
الثالثة : تسلية أهل البلاء، إذا صحبهم الإحسان والتقوى، وبشارتهم بالعز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والنصر والتمكين في الأرض بعد الاستضعاف والهوان، يؤخذ ذلك من قوله : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين . وفي ذلك يقول الشاعر :

وكُلُّ عَبْدٍ أَرَادَ الله عِزَّتَه فَهُو َالعَزِيزُ، وعزُّ اللهِ يغْشَاه
قََدْ لاَحَ عِزُّ لَه في الأرْضِ مُنْتَشِرٌ فَهُو الحَبِيبُ لِمَنْ نَادَاهُ لبّاهُ
يا حُسْنَهُ ومَتى قَد طَالَ مَطْلَبُه تَاجُ البرية والرحمانُ صَفَّاهُ

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير