الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إذْ كَانَ لَا يَرَى اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَكَيْفَ الْتِزَامُ الْإِخْوَةِ لِدِينِ يَعْقُوبَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِهِ. وَالْكَيْدُ وَالْمَكْرُ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ؛ فَيَتَأَوَّلُهُ أَحَدُ الْمُتَخَاطِبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرَائِعِ ؛ إذْ كَانَ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ اسْتِرْقَاقُ السَّارِقِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا نَعْلَمُ مَا نَفَذَ بِهِ الْحُكْمُ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ هَلْ كَانَ مَخْصُوصًا بِعَيْنٍ مَسْرُوقَةٍ دُونَ عَيْنٍ أَمْ عَامًّا فِي كُلِّ عَيْنٍ ؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ). وَهَذَا نَصٌّ فِي الْغَرَضِ، مُوَضِّحٌ لِلْمَقْصُودِ، فَافْهَمُوهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ
فِيهِ جَوَازُ التَّوَصُّلِ إلَى الْأَغْرَاضِ بِالْحِيَلِ ؛ إذَا لَمْ تُخَالِفْ شَرِيعَةً وَلَا هَدَمَتْ أَصْلًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ الْحِيَلَ، وَإِنْ خَالَفَتْ الْأُصُولَ، وَخَرَمَتْ التَّحْلِيلَ ؛ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْفِهْرِيِّ وَغَيْرَهُ يَقُولُ : كَانَ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّامَغَانِيُّ صَاحِبَ عَشْرَاتِ آلَافٍ مِنْ الْمَالِ، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الْحَوْلِ دَعَا بَنِيهِ فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَهَذَا مَالٌ لَا أَحْتَاجُهُ، فَهُوَ لَكُمْ. ثُمَّ يُخْرِجُهُ، وَيَحْتَمِلُهُ الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ إلَى دُورِ بَنِيهِ، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الْحَوْلِ، وَدَعَا بَنِيهِ لِأَمْرٍ قَالُوا : يَا أَبَانَا ؛ إنَّمَا أَمَلُنَا حَيَاتُك، وَأَمَّا الْمَالُ فَأَيُّ رَغْبَةٍ لَنَا فِيهِ مَا دُمْت حَيًّا، أَنْتَ وَمَالُك لَنَا، فَخُذْهُ إلَيْك. وَيَسِيرُ الرِّجَالُ بِهِ حَتَّى يَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَرُدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ يُرِيدُ بِتَبْدِيلِ الْمِلْكِ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِ، وَهَذَا خَطْبٌ عَظِيمٌ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِهِ كِتَابًا مَقْصُودًا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ : قَوْله تَعَالَى : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْحِيلَةِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى الْمُبَاحِ وَاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا وَهْمٌ عَظِيمٌ.
وَقَوْلُهُ : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ قِيلَ فِيهِ : كَمَا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ مِلْكَ نَفْسِهِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَكَّنَّا لَهُ مِلْكَ الْأَرْضِ عَنْ الْعَزِيزِ أَوْ مِثْلَهُ مِمَّا لَا يُشْبِهُ مَا ذَكَرَهُ. قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَمِثْلُهُ :" وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ".
قَالَ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ هَذَا حِيلَةً ؛ إنَّمَا هُوَ حَمْلٌ لِلْيَمِينِ عَلَى الْأَلْفَاظِ أَوْ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ. قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَامِلِ خَيْبَرَ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : نَصُّ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ( عَامِلَ خَيْبَرَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنَّا نَبِيعُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ مِنْ تَمْرِ الْجَمْعِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا، وَكَذَلِكَ الْبُسْرُ ) خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ.
وَمَقْصُودُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ جَمْعًا وَيَبْتَاعَ جَنِيبًا مِنْ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْجَمْعَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، لِئَلَّا يَكُونَ جَنِيبًا بِجَمْعٍ وَالدَّرَاهِمُ رِبًا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَرِيرَةٌ بِجَرِيرَةٍ وَالدَّرَاهِمُ رِبًا. قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدَ :( خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ ).
قَالَ الْقَاضِي :( قَالَتْ هِنْدُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي. قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ ). وَهَذَا مِنْ بَابِ الْفَتْوَى وَتَسْلِيطِ الْمُفْتِي لِلْمُسْتَفْتِي عَلَى حُكْمِ الدَّعْوَى، فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ أَعْلَمُ مِنْ الْكُلِّ بِكَذِبِهِ أَوْ صِدْقِهِ، وَلَا حِيلَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا.
وَعَجَبًا لِمَنْ يَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ، وَيَتَمَيَّزُ فِي الْفِرَقِ بِالزَّعَامَةِ، وَيَأْتِي بِهَذَا السَّفْسَافِ مِنْ الْمَقَالِ.
قَالَ الْقَاضِي : وَزَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَعَارِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرْبِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْغَرَضِ عَلَى خَطٍّ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ هَذَا الْمَقْصِدِ فِي دَائِرَةِ الْأُفُقِ، فَكَيْفَ فِي مِقْدَارٍ مِنْ التَّقَابُلِ أَصْغَرَ مِنْ نَفَقٍ.
أحكام القرآن
ابن العربي