الإيضاح : فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ٨٠ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ٨١ واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ٨٢ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا انه هو العليم الحكيم ٨٣ وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [ يوسف : ٨٠ -٨٤ ].
تفسير المفردات : استيأسوا : أي يئسوا يأسا كاملا. خلصوا : انفردوا عن الناس. نجيا : أي متناجين متشاورين فيما يقولون لأبيهم. كبيرهم : أي في الرأي والعقل وهو يهوذا. وموثقا : أي عهدا يوثق به وهو حلفكم بالله. فرطتم : قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه. أبرح : أفارق. أمرا : أي كيدا آخر.
الإيضاح : فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا أي فلما استحكم اليأس في أنفسهم من قبول العزيز لشفاعتهم واستعطافهم بعد أن أقام الحجة عليهم بشرعهم وفتواهم وأنه إن فعل غيره يكون ظالما بمقتضى شريعتهم وشريعة ملك مصر اعتزلوا الناس ولم يخلطوا أحدا، وانفردوا للمناجاة والتشاور في أمرهم.
وخلاصة ذلك : أن أولئك الإخوة العشرة بعد أن انتهى كبيرهم من استعطاف العزيز وعدم جدوى ما فعل، غادر كل منهم رحله وانضم بعضهم إلى بعض وأدنى رأسه من رأسه وأرهفوا آذانهم للنجوى.
قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أي قال كبيرهم عقلا ورأيا وهو يهوذا، ألم تعلموا أيها القوم أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهد الله وميثاقه لتردّنه إليه إلا أن يحاط بكم، وقد رأيتم كيف تعذر ذلك عليكم.
ومن قبل ما فرطتم في يوسف أي ومن قبل هذا قد قصرتم في حفظ يوسف بعد وعدكم المؤكد بحفظه، وكيف أن أباكم قد قاسى من أجله من الحزن ما قاسى.
فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي بتركها والرجوع إليه وبنيامين فيها، أو يحكم الله لي بأمر من عنده مما هو غيب في علمه، كأن يترك العزيز لي أخي بإلهام منه تعالى أو بسبب آخر.
وهو خير الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بما هو الحق والعدل، وهو المسخر للأسباب والمقدر للأقدار.
تفسير المراغي
المراغي