ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

تفسير المفردات : وارتد : أي رجع.
الإيضاح : فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا أي فلما جاء البشير وهو ابنه يهوذا الذي يحمل القميص من يوسف، وهو الذي حمل إليه قميصه الملطخ بالدم الكذب ليمحو السيئة بالحسنة، ألقاه على وجه يعقوب فعاد من فوره بصيرا كما كان، بل قد قيل إنه عادت إليه سائر قواه، وليس ذلك بعجيب ولا منكر، فكثير ما شفى السرور من الأمراض وجدد قوى الأبدان والأرواح، والتجارب وقوانين الطب شاهد صدق على صحة ذلك. قال الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا : لا تتحسن أعراض مرض " الجولكوما " أو شدة توتر العين أو تقف شدته إلا بالعلاج، ومنه العمليات الجراحية ولكن سيدنا يعقوب بوضع القميص على وجهه هو معجزة من المعجزات الخارجة عن قدرة الإنسان، وليس المهم هو القميص أو وضعه على وجهه، فقد كان ذلك لتسهيل وقع المعجزة على الحاضرين فحسب، ولكن المهم هو طريقة الشفاء وهي إرادة الله المنحصرة في كن فيكون وهي خارجة عن كل السنن الطبيعية التي أمر الإنسان أن يتعلمها، فعظمة المعجزة ليست في النتيجة فحسب ولكن في طريق الشفاء وما أعظم القرآن الذي وصف حالة مرضية خاصة وبين سببها، ولم يكن يعلم العالم شيئا عن هذا المرض في ذلك الوقت ولا بعده بزمن طويل اه.
وقد أجاب يعقوب من لاموه بما كان عليه من علم قطعي من ربه بصدق ما يقول :
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون أي قال لهم ألم أقل لكم حين أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتحسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله : إني أعلم بوحي الله لا من خطرات الأوهام ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام، وقد ذكرهم الآن إذ عاد بما كان قد قاله لهم حين ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم.
نبذة في تعليل شم يعقوب رائحة يوسف :
أثبت العلم حديثا أن الريح تحمل الغبار وما فيه من قارة إلى أخرى، فتحمله من إفريقية مثلا إلى أوروبا وهي مسافة أبعد مما بين مصر وأرض كنعان من بلاد الشام وهي بلا شك تحمل رائحة ما له منها رائحة، ولكن الغريب شم البشر لها من المسافات البعيدة، والإنسان إذا قيس بغيره من الوحوش والحشرات كان أضعف منها شما، فالكلب ذو حاسة قوية في الشم حتى ليدرّبه الآن رجال الشرطة ويستخدمونه في حوادث الإجرام من قتل وسرقة لإثبات التهمة على المجرمين، فيأتون بالكلب المعلّم فيشمّ المجرم ويخرجه من بين أشخاص كثيرين، ويرى ذلك رجال القانون دليلا قويا على إثبات الجريمة على من يرشد إليه، بل دليلا قاطعا في بعض الدول.
والروائح منها القوي والضعيف، ومن أضعفها رائحة جسم الإنسان وعرقه وما يصيب ثوبه منها، ولكن ما نحن فيه من خوارق العادات ومن خواص عالم الغيب لا من السنن العادية والحوادث التي تتكرر من البشر.
وقد دلت الآية على أن يعقوب عليه السلام أخبر أنه وجد رائحة يوسف لما فصلت العير من أرض مصر، فعلينا أن نؤمن به لأنه معصوم من الكذب، وقد تبين صدقه بعد وليس بالواجب علينا أن نعرف كنهه أو نصل إلى معرفة سببه، ولكن إذا نحن قلنا إنه لشدة تفكره في أمر ولده وتذكره لرائحته حين كان يضمه ويشمّه، شعر بتلك الرائحة قد عادت له سيرتها الأولى، لم يكن ذلك مجانبا للصواب ولا معارضا للعقل ولا ناقضا لما يثبته العلم، أو قلنا بأنا نتقبل هذا بدون تعليل ولا تصوير لكيفية ذلك لم نبعد، عن العقل ولا عن العلم، إذ لا خلاف بين العلماء في أن ما يجهله الباحثون أضعاف ما يعرفونه.
وعلى الجملة فعلينا التسليم بما أخبر به دون حاجة للبحث في كنهه أو صفته ما دام ذلك داخلا في حيز الإمكان.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير