ويأتي البشير ليعقوب، يقول الحق سبحانه :
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ( ٩٦ )
وحين حضر البشير١، وهو كما تقول الروايات كبير الإخوة ؛ ويقال أيضا : إنه يهوذا ؛ وهو من رفض أن يغادر مصر إلا بعد أن يأذن له والده، أو يأتي حل من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في مصر، بعد اتهام أعوان العزيز له بالسرقة، طبقا لما أرده يوسف ليستبقي شقيقه معه.
ولما جاء هذا البشير ومعه قميص يوسف ؛ فألقاه على وجه الأب تنفيذا لأمر يوسف عليه السلام.
وبذلك زال سبب بكاء يعقوب، وفرح يعقوب فرحا شديدا ؛ لأنه في أيام حزنه على يوسف، وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدثه قلبه بالإلهام من الله أن يوسف ما زال حيا ؛ وكان البكاء عليه من بعد ذلك هو بكاء من فرط الشوق لرؤية ابنه.
وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص على وجه أبيه يرد إليه بصره، بإذن من الحق سبحانه وتعالى، فضلا عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية، وهكذا تجلت انتصارات الحق والنبوة.
وقال يعقوب عليه السلام : ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ( ٩٦ )
ولم يقل ذلك إذلالا لهم، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي، وأن الواقع قد أيد الكلام الذي قال لهم :
يا بني اذهبوا فتحسسوا٢ من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ( ٨٧ )
فإذا جاءكم خبر من معصوم ؛ إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه ؛ لأن العقول تأخذ مدركات الأشياء على قدرها، وهناك أشياء فوق مدركات العقول.
وحين يحدثكم معصوم عن ما فوق مدركات عقولهم إياكم أن تكذبوه ؛ سواء فهمتم ما حدثتكم عنه، أو لم تستوعبوا حديثه عما فوق مدركات العقول.
٢ - تحسس الشيء وتحسس منه: طلب معرفته بالبحث الدقيق عنه، قال تعالى: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (٨٧) [يوسف]. أي: تتبعوا أخبارهما وابحثوا عنهما بعناية شديدة. [القاموس القويم ١/ ١٥٤].
راجعه على الأصل وخرج أحاديثه فضيلة الشيخ محمد السنراوي المستشار بالأزهر والأستاذ عادل أبو المعاطي..
تفسير الشعراوي
الشعراوي