ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

ذلك فهو نبي فالولي: هو الإنسان الكامل، والنبي: هو الإنسان الكامل المكمل. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الغالون في الكفر لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أي من مدينتنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي لتصيرن داخلين في ملتنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي الرسل رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ أي أرض الظالمين وديارهم مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هلاكهم ذلِكَ أي إسكان الأرض ثابت لِمَنْ خافَ مَقامِي أي لمن خافني وخاف حفظي لأعماله وَخافَ وَعِيدِ (١٤) أي عذابي الموعود للكفار وَاسْتَفْتَحُوا أي طلب كل من الرسل والقوم النصرة على عدوه فنصر الله الرسل وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ أي خسر عند الدعاء من النصرة كل متكبر عن عبادة الله عَنِيدٍ (١٥) أي منحرف عن الحق مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ أي من بعد هذه الخيبة جهنم يلقى فيها وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) أي مما يسيل من جلود أهل النار من القبح والدم يَتَجَرَّعُهُ أي يتناوله جرعة جرعة على الاستمرار لغلبة العطش والحرارة عليه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي لا يكاد أن يجريه في الحلق بل يستمسكه فيه لمرارته ونتنه فوصوله إلى الجوف ليس بإجازة وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي يجد ذلك الكافر ألم الموت من كل مكان من أعضائه حتى من أصول شعره وإبهام رجله والحال أنه لا يموت من ذلك العذاب وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) أي ومن بعد ذلك العذاب عذاب أشد مما هو عليه لا ينقطع ولا يخف بسبب الاعتياد كما في عذاب الدنيا مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ أي صفة أعمالهم الصالحة كصدقة وصلة رحم، وإعتاق رقاب وفداء أسير، وقري ضيف وبر والد، وإغاثة ملهوف كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ أي ذرت بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ أي شديد الريح لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ أي لا يجدون يوم القيامة أثرا مما عملوا في الدنيا من ثواب أو تخفيف عذاب كما لا يوجد من الرماد شيء إذا ذرته الريح وذلك لفقد شرط الأعمال وهو الإيمان ذلِكَ أي عملهم هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أي الضياع البعيد عن نيل الثواب أَلَمْ تَرَ أي قد أخبرت أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي ملتبسا بالحكمة وليس عبثا.
وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات» على اسم الفاعل والإضافة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي يهلككم بالمرة وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) سواكم أطوع لله منكم. وَما ذلِكَ أي إذهابكم والإتيان ببدلكم عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) أي بمتعسر لأن القادر لا يصعب عليه شيء
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً أي ويخرجون من قبورهم إلى الله ليحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم فَقالَ الضُّعَفاءُ في الرأي وهم السفلة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عبادة الله وهم أكابرهم إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا في تكذيب الرسل والإعراض عن نصيحتهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي فهل أنتم في هذا اليوم دافعون عنا بعض شيء هو عذاب الله؟ قالُوا أي القادة: لَوْ

صفحة رقم 568

هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ
أي لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم طريق النجاة ودفعنا عنكم بعض العذاب ولكن سد الله عنا طريق الخلاص سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا مما لقينا أَمْ صَبَرْنا على ذلك أي الصياح، فالتضرع والصبر مستويان علينا في عدم الإنجاء ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) أي محل هرب من العقاب وَقالَ الشَّيْطانُ أي يقول إبليس رئيس الشياطين خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ منه بأن استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وقد قالوا له: اشفع لنا فإنك أضللتنا إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وهو الوعد بالبعث والجزاء على الأعمال فصدق في وعده إياكم وَوَعَدْتُكُمْ أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ولئن كان فالأصنام شفعاؤكم فَأَخْلَفْتُكُمْ أي كذبت لكم وتبين خلف وعدي وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي حجة تدل على صدقي أو قهر فأقهركم على الكفر والمعاصي إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي أجبتموني فَلا تَلُومُونِي بوعدي إياكم حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث أجبتموني باختياركم حين دعوتكم بلا دليل فما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة وقد سمعتم دلائل الله، وجاءتكم الرسل، وكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي بمغيثكم من عذابكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي بمغيثي من عذابي إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي إني الآن تبرأت من إشراككم إياي مع الله في الطاعة من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا أي، لأن الكفار كانوا يطيعون إبليس في أعمال الشر كما يطاع الله في أعمال الخير. ومعنى إشراكهم إبليس بالله تعالى طاعتهم لإبليس في تزيينه لهم في عبادة الأوثان. إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) هذا تمام كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإغاثة فالوقف على من قبل حسن أو ابتداء كلام من حضرة الله تعالى إيقاظا للسامعين حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم فالوقف على من قبل تام كما هو عند أبي عمرو وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق بأدخل أي أدخلتهم الملائكة بأمر ربهم تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) فإن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة، والملائكة يحيونهم بها والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة.
وقرأ الحسن «وأدخل» على صيغة التكلم وعلى هذه القراءة فقوله: «بإذن» ربهم متعلق «بتحيتهم» أي تحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. أَلَمْ تَرَ أي ألم تخبر يا أشرف الخلق كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً أي كيف جعل الله كلمة طيبة وهي لا إله إلا الله مثلا وهي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهي النخلة أَصْلُها ثابِتٌ أي ضارب بعروقه في الأرض وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) أي أعلاها في الهواء تُؤْتِي أُكُلَها أي تعطي هذه الشجرة ثمرها كُلَّ حِينٍ أي

صفحة رقم 569

كل وقت وكل ساعة ليلا أو نهارا شتاء أو صيفا، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح، والخلال والبسر، والمنصف والرطب وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب فأكلها دائم في كل وقت بِإِذْنِ رَبِّها أي بإرادة خالقها كذلك كلمة التوحيد ثابتة في قلب المؤمن بالبرهان وعمل المؤمن المخلص يرفع إلى السماء وفي كل حين يعمل خيرا بأمر ربه وحكمة تمثيل كلمة التوحيد بالشجرة أن الشجرة تكون بثلاثة أشياء عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال كذلك التوحيد يكون بثلاثة أشياء تصديق بالقلب، وقول باللسان وعمل بالأبدان وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي يبين الله صفات التوحيد لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) أي يتعظون لأن في ضرب الأمثال تصويرا للمعاني فيحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي الشرك بالله كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ كالحنظل والكشوت وهي نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض اجْتُثَّتْ أي استؤصلت مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ لكون عروقها في وجه الأرض أي ليس لها أصل ولا عرق يغوص في الأرض فتسميتها شجرة للمشاكلة فكذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا قوة ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) أي ثبات على وجه الأرض فلا يقبل مع الشرك عمل يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أي الذي
يثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم وهو شهادة أن لا إله إلا الله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يزالون عن تلك الشهادة إذا افتتنوا في دينهم كزكريا ويحيى، وجرجيس، وشمسون والذين فتنهم أصحاب الأخدود وَفِي الْآخِرَةِ أي في القبر حين يقال له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام؟ ونبيي محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وحكي أن سهل بن عمار العملي يقول: رأيت يزيد بن هارون في منامي بعد موته فقلت:
ما فعل الله بك؟ قال: أتاني في قبري ملكان فظان فقالا: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
فأخذت بلحيتي البيضاء فقلت لهما: ألمثلي يقال هذا وقد علّمت النّاس جوابكما ثمانين سنة! فذهبا، وكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في دقائقها أتم وأكمل كان رسوخ هذه المعرفة في قلبه بعد الموت أقوى وأكمل.
قال ابن عباس: من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة هاهنا بالقبر، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ أي يصرف الله المشركين عن قول لا إله إلا الله في الدنيا وفي القبر وعند خروجهم من القبور فإنهم إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) من الإضلال والتثبيت ومن صرف منكر ونكير أَلَمْ تَرَ أي ألم تنظر إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً كأهل مكة حيث أسكنهم الله حرمه الآمن، ووسّع عليهم أبواب رزقه،

صفحة رقم 570

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية