ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

تُؤتي أًكُلُها : تُعطى ما يؤكل من ثمرها كل حين وقَّته الله لإثمارها، فقيل : سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يُكلم أخاه حيناً لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وغيرهما : كل حين ؛ أي : غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت : وهذا هو الظاهر.
واخْتُلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل : غير معينة، وقيل : النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي : وقيل : جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولاً لبناً، ثم عسلاً، ثم تنعقد طعاماً، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي : ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال أبو حنيفة : إنه ببلاد اليمن نوعٌ من التمر، يقال له : الباهين، يطعم السنة كلها. ه. قلت : وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله :" في النخلة ستة أشهر. . . " الخ، فيه نظر، وصوابه : ثلاثة، فإن المعاينة ترده.
والمشبه بهذه الشجرة : المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله.
ثم قال تعالى : ويضربُ الله الأمثال للناس لَعلهم يتذكرون ؛ لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير ؛ فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو : التوحيد الثابت في القلب، وفروعها : الفرائض والواجبات، وأغصانها : السنن المؤكدات، وأوراقها : المندوبات والمستحبات، وأزهارها : الأحوال والمقامات، وأذواقها : الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها : العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجْن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئاً من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذواقها، أو مِنْ عَرْف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تُلَقَّح كانت ذَكَّارة، تورق ولا تثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أيُّ ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى : وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ [ المائدة : ٣٥ ]. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير