ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

قوله : مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير : أصحاب الأبصار، إذا يقال : شَخَص زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل :" مُهْطِعين " منصوب بفعل مقدر، أي : تبصرهم مهطعين، ويجوز في " مُقْنِعِي " أن يكون حالاً من الضمير في :" مُهْطِعِينَ " فيكون حالاً، وإضافة :" مُقْنِعِي " غير حقيقة ؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ : قيل : الإسرْاعُ في المشيِ ؛ قال :[ البسيط ]
إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ *** دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا١
وقال :[ الكامل ]
وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ *** فِي رَأْسِ جِذْعٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . ٢
وقال أبو عبيدة : قد يكون الإسراع [ مع ] إدامة النَّظر.
وقال الراغب :" هَطَعَ الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ ".
وقال الأخفش : هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد :[ الوافر ]
بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ *** بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ٣
والمعنى : مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ :" هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء ". وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة ؛ فقد سمع فيه :" أهْطََعَ وهَطَعَ " رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ : رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى غيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله -يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر ؛ فترفع رءوسها- :[ الوافر ]
يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ *** نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ٤
ويقال : أقْنَعَ رأسه، أي : طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ : الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا : أي : رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ : معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ –بالتشديد-، ويقال : قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [ فوقع ] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب : قال بعضهم : أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس
والقَانِعُ : من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله :[ الوافر ]
لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي *** مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ٥
ورجل مقنَّعٌ : تَقنَّعَ بِهِ ؛ قال :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ٦
ومنى الآية : أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين -تعالى- أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، و أنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ : جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على " رُءُوس " والأرَاسُ : العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى : أسودَّتْ رأسَها.
قوله : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ في محل نصب على الحال من الضمير في :" مُقْنِعِي " ويجوزو أن يكون بدلاً من :" مُقْنِعِي "، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم :" مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف "، الطَّرفُ هنا : العَيْنُ قال الشاعر :[ الكامل ]
وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي *** حتَّى يُوارِي جَارتِي مأواها٧
والطَّرفُ : الجِفْنُ أيضاً، يقال : ما طبق طرفهُ، أي : حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً : تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية : دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ " يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا " يَرتَدُّ " وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد :" هَواءٌ "، وإن كان خبراً عن جمع ؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال : أهوية ليطابق الخبر مبتدأه ".
والهَواءُ : الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال : جوفهُ هواء، أي : فارغ ؛ قال زهيرٌ :[ الوافر ]
كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل *** مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ٨
وقال حسَّان بن ثابت -رضي الله عنه- :[ الوافر ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . *** فأنت مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ٩
النَّخْبُ : الذي أخذت نخبته أي : خِيارهُ، ويقال : قلب فلانٍ هواء : إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى : أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.

١ البيت لعمران بن حطان. وينظر: الدر المنثور ٤/٨٨، الدر المصون ٤/٢٧٧..
٢ البيت لامرئ القيس وقيل: لأنيق بن جبلة. وروي:
ومستقلل الذفري.......... *** في رأس...............
ينظر: البحر المحيط ٥/٤١٨، الطبري ١٣/٢٣٨، مجاز القرآن ١/٣٢٢، اللسان والتاج (أول)، الدر المصون ٤/٢٧٧..

٣ البيت ليزيد الحميري. وروي: بدجلة أهلها.. في ديوانه /١١٠، ينظر: مجاز القرآن ١/٣٤٣، البحر المحيط ٥/٤٢٣، روح المعاني ١٣/٢٤٥، التاج والتهذيب واللسان (هطع) إعراب القرآن ٣/١٦٦، الدر المصون ٤/٢٧٧..
٤ البيت للشماخ. ينظر: ديوانه (٢٢٠) وفيه: (يبادرون) بدلا من (يباكرن)، مجاز القرآن ١/٢٤٣، روح المعاني ١٣/٢٢٠، المخصص ١٢/٢٨٧، الصاحبي (٢٦٣)، التهذيب واللسان (قنع) القرطبي ٥/٤٠٩، إعراب القرآن ٣/١٦٦، الطبري ١٣/١٥٧ الدر المصون ٤/٢٧٧..
٥ البيت للشماخ. ينظر: ديوانه (٢٢١)، مجاز القرآن ٢/٥١، المخصص ١٢/٢٨٧، الصاحبي (٢٦٣)، التهذيب واللسان (قنع) فصيح ثعلب /١٥ المفرادات ٤٢٩، أحكام القرآن ٣/١٢٩٤، المسائل البصريات ١/٦١٣، الدر المصون ٤/٢٧٧..
٦ جز بيت لقيس بن الملوح وصدره:
وبايعت ليلى بالخلاء ولم يكن ***......................
ينظر: ديوانه (١٨٦)، اللسان (قنع) جمهرة اللغة ص ٩٤٢، شرح المفصل ١/١٣، ٣/٥١، أمالي القالي ١/١٩٦، الكامل ١/١٦٥، الراغب /٦٢٤، ٦٢٥ معجم البلدان (القانع)، الدر المصون ٤/٢٧٨..

٧ البيت لعنترة. ينظر: ديوانه (٧٦)، البحر المحيط ٥/٤١٩، تفسير القرطبي ٩/٣٧٧، روح المعاني ١٣/٢٤٦، الدر المصون ٤/٢٧٨..
٨ ينظر: ديوانه (٩)، شرح الديوان ٦٣، تفسير غريب القرآن ١٣٤، القرطبي ٥/٤٠٩، الطبري ١٣/١٥٩، الكشاف ٢/٣٨٢ شواهد الكشاف /٣١٧، الألوسي ١٣/٢٤٧، الكامل ١/١٩٥، المحرر الوجيز ٤/٥٦٠، الدر المصون ٤/٢٧٨..
٩ عجز بيت وصدره:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ***...................
ينظر: الديوان (٩)، الكشاف ٢/٣٨٢، القرطبي ٥/٤٠٩، الألوسي ١٣/٢٤٧، مجاز القرآن ١/٣٤٤، الطبري ١٣/١٤٤، اللسان والتاج (هوى، جوف)، الدر المصون ٤/٢٧٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية