تفسير المفردات : مهطعين : مسرعين إلى الداعي. مقنعي رؤوسهم : أي رافعيها مع الإقبال بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء. لا يرتد : لا يرجع. هواء : خالية من العقل والفهم لفرط الحيرة والدهشة، ويقال للجبان والأحمق قلبه هواء : أي لا قوة ولا رأي له كما قال حسان يهجو أبا سفيان بن حرب :
ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوّف نخب هواء
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن جزاء من بدلوا نعمة الله كفرا وجعلوا له الأنداد جهنم يصلونها وبئس المهاد، وطلب إلى عباده المؤمنين مجاهدة النفس والهوى وإقامة فرائض الدين – ذكر هنا تسلية لرسوله وتهديدا للظالمين من أهل مكة أن تأخيرهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية ليس بإهمال للعقوبة ولا لغفلة عن حالهم، وإنما كان لحكمة اقتضت ذلك وهم مرصدون ليوم شديد الهول، له من الأوصاف ما بيّن بعد، وعليك أيها الرسول أن تنذر الناس بقرب حلوله، وأنهم في ذلك اليوم سيطلبون المردّ إلى الدنيا ليجيبوا دعوة الداعي، وهيهات هيهات.
صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الصّرع ما قرى في الحلاب
وقد كان لكم معتبر في تلك المساكن التي تسكنونها، فإنها كانت لقوم أمثالكم كفروا بأنعم الله، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
ألا إن وعد الله لرسله لا يخلف، وهو ناصرهم وخاذل أعدائه، كما قال : إنا لننصر رسلنا [ غافر : ٥١ ] وقال : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : ٢١ ] ومحاسبهم في يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، يوم يخرجون من قبورهم للحساب أمام الواحد القهار، وترى حال المجرمين يجلّ عن الوصف.
وهذا الذي قصصته عليكم تبليغ وإنذار، ليتذكر به ذوو العقول الراجحة، وليعلموا أن الله واحد لا شريك له.
مهطعين أي يأتون مسرعين إلى الداعي بالذلة والاستكانة كما يسرع الأسير والخائف.
مقنعي رؤوسهم أي رافعيها مع دوام النظر من غير التفات إلى شيء.
لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم كما كانوا يفعلون في الدنيا في كل لحظة، بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف من شدة الفزع والخوف.
وأفئدتهم هواء أي إنها مضطربة تجيش في صدورهم، تجيء وتذهب، ولا تستقر في مكان حتى تبلغ الحناجر، لشدة ما يرون من هول موقف الحساب.
تفسير المراغي
المراغي