ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ أبصارهم، فيقول :
مُهطعين مُقنعي١ رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفُهم وأفئدتهم هَواء ٤٣
والمُهطع هو من يظهر من فرط تسرّعه وكأن رقبته قد طالت، لأن المُهطع هو من فيه طول، وكأن الجزاء بالعذاب يجذب المجزيّ ليقربه، فيُدفع في شدة وجفوة إلى العذاب، يقول الحق سبحانه :
يُدعُّون٢ إلى نار جهنم دعّاً ١٣ ( الطور ).
وكأن هناك من يدفعهم دفعا إلى مصيرهم المؤلم. وهم :
مُقنِعي رؤوسهم.. ٤٣ ( إبراهيم ).
أي : رافعين رؤوسهم من فرط الدهشة لهول العذاب الذي ينتظرهم.
وفي موقع آخر يصوّرهم الحق سبحانه :
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان٣ فهم مُقمحون ٨ ( يس ).
وهكذا تكون صورتهم مُفزعة من فرط المهانة، فبصر الواحد منهم شاخص إلى العذاب، منجذب إليه بسرعة لا يتحكم فيها، ورأسه مرفوعة من فرط الهَول، ومُقمح٤ بالأغلال.
ولا يستطيع الواحد منهم أن تجفل جفونه، وكأنها مفتوحة رغما عنه، وفؤاده هواء بمعنى : أن لا شيء قادر على أن يدخله.
ونحن نلحظ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء، فتخرج فقاقيع الهواء مقابل دخول الماء من فوهتها.
ونعلم أن قلب المؤمن يكون ممتلئا بالإيمان ؛ أما الكافر المُلحد فهو في مثل تلك اللحظة يستعرض تاريخه مع الله ومع الدين، فلا يجد فيها شيئا يُطمئِن، وهكذا يكتشف أن فؤاده خالٍ فارغ ؛ لا يطمئن به إلى ما يُواجه به لحظة الحساب.
ونجد بعضا ممن شاهدوا لحظات احتضار٥ غيرهم يقولون عن احتضار المؤمن ( كان مشرق الوجه متلألئ الملامح ). أما ما يقولونه عن لحظة احتضار الكافر، فهم يحكُون عن بشاعة ملامحه في تلك اللحظة.
والسبب في هذا أن الإنسان في مثل هذه اللحظات يستعرض تاريخه مع الله، ويرى شريط عمله كله، فمن قضى حياته وهو يُرضي الله، لا بد أن يشعر بالراحة، ومن قضى حياته وهو كافر مُلحد فلابد أن يشعر بالمصير المُرعب الذي ينتظره.
ولذلك يقول الحق سبحانه :
وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناضرة ٢٣ ووجوه يومئذ باسِرة٦ ٢٤ تظن أن يُفعل بها فاقرة٧ ٢٥ ( القيامة ).

١ المقنع: الذي يرفع رأسه ينظر في ذل: والإقناع: رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع. [لسان العرب - مادة: قنع]..
٢ دعه يدعه: دفعه في جفوة. والدّعّ: الطرد والدفع في انتهار وزجر. [لسان العرب - مادة: دعع]..
٣ الذقن: مجتمع اللحيين أسفل الوجه، ويُطلق على ما ينبت عليه من الشعر مجازا، وقد يُطلق على الوجه كله. [القاموس القويم ١/٢٤٣]..
٤ المقمح: الخاضع الذليل لا يكاد يرفع بصره. قال الأزهري: أراد عز وجل أن أيديهم لما غُلّت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها. [لسان العرب - مادة: قمح]..
٥ حُضر المريض واحتُضِر: إذا نزل به الموت ودنا منه أجله. [لسان العرب - مادة: حضر]..
٦ باسرة: كالحة عابسة كناية عن الهم والغم والخوف الشديد. [القاموس القويم ١/٦٦]..
٧ الفاقرة: الداهية تكسر فقار الظهر. [القاموس القويم ٢/٨٦]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير