ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

وقوله تعالى: لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ قال شمر: يقال: شخص الرجلُ بصرَه، [وشخص البصرُ نفسُه، إذا سما وطَمَح وشَصا (١)، كلُّ ذلك مِثْلُ الشُّخُوصِ (٢).
وقال ابن السِّكِّيت: شَخَصَ بصرُهُ] (٣)، إذا فتح عينيه لا يَطْرِفُ (٤).
قال الفراء: أي لا يغتمض من هول ما يرى في ذلك اليوم (٥).
وقال ابن عباس: يريد يوم القيامة تشخص فيه أبصار الخلائق إلى الهواء، يريد: أنهم لعجائب ما يرون، ولشدة الحَيْرةِ والدووة لا يغْتَمضون (٦).
٤٣ - قوله تعالى: مُهْطِعِينَ قال أبو إسحاق: منصوب على الحال، المعنى: إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه أبصارُهُم مهطعين، فعلى ما ذكره الألف واللام في: الْأَبْصَارُ يدل على الكناية؛ لأن التأويل بأبصارهم على ما ذَكر، وأما تفسير الإهطاع (٧) فقال أبو عبيدة: هو

(١) انظر: "اللسان" (طمح) ٥/ ٢٧٠٢، (شصا) ٤/ ٢٢٥٩.
(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (شخص) ٢/ ١٨٤٠ نقله بنصه.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٤) "إصلاح المنطق" ص ٢٦٣ بنصه، وورد في "تهذيب اللغة" (شخص) ٢/ ١٨٤٠ بنصه، والطَّرْفُ: تحريك الجُفُونِ في النظر؛ يقال شخص بصرُه فما يَطْرِفُ. انظر: "المحيط في اللغة" (طرف) ٩/ ١٦٠.
(٥) لم أجد قوله في معانيه، وورد منسوباً إليه في "تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٦، و"تفسير الشوكانى" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣٠.
(٦) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٤ بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٦، وورد نحوه بلا نسبة في "تفسير الرازي" ١٩/ ١٤١، والخازن ٣/ ٨٤، و"تفسير الشوكاني" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣٠.
(٧) في جميع النسخ (الانقطاع) وهو تصحيف ظاهر.

صفحة رقم 494

الإسراع (١)، يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع، إذا أسرع (٢)، وهو اختيار الزجاج؛ قال: مهطعين: مسرعين، وأنشد (٣):

بِدِجْلةَ أَهْلُهَا ولَقَد أراهُمْ (٤) بِدِجْلةَ مُهْطِعِينَ إلى السّمَاعِ (٥)
قال: أي مسرعين (٦)، وأنشد أبو عبيدة:
بمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنّ زِمَامَه في رأسِ جِذْعٍ من أَوالَ مُشَذَّبِ (٧)
(١) "مجاز القرآن" ١/ ٣٢٤ ولفظه: (مسرعين).
(٢) ورد بنصه في "تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٩ أ.
(٣) البيت ليزيد بن مُفزغ الحميري ت (٦٩ هـ).
(٤) في جميع النسخ (رآهم)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.
(٥) "ديوانه" ص ١٦٧، وورد في "مجاز القرآن" ١/ ٣٤٣، و"الوقف والابتداء" لابن الأنباري ١/ ٦٧، و"تفسير ابن عطية" ٨/ ٢٥٩، وفيها (دارُهم) بدل (أهلها)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٦، و"تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨، و"الفريد في إعراب القرآن" ٣/ ١٧٣، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٦، و"اللسان" (هطع) ٨/ ٤٦٧٤، و"الدر المصون" ٧/ ١٢٠، و"عمدة الحفاظ" ٤/ ٢٩٤، والمعنى: أي أنهم مقبلون برؤوسهم إلى سماع الداعي.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٦ بنصه.
(٧) ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" ١/ ٣٤٢، و"تفسير ابن عطية" ٨/ ٢٥٩، وأبي حيان
٥/ ٤٢٩، و"الدر المصون" ٧/ ١٢٠، وورد فيها عِنَانَهُ (بدل) زمامه، وورد منسوباً
لأُنيف بن جَبَلة في "اللسان" (أول) ١/ ١٧٥ وليس فيه الشاهد، برواية:
أمّا إذا استقبلته فكأنّه للعين جِذعٌ من أَوال مُشذَّبُ
(السُّرحُ): السرعة، يقال ناقةٌ سُرُحٌ ومُنْسرحةٌ في سيرها: أي سريعة، (أَول): بفتح أوله، قرية بالبحرين، وقيل جزيرة، فإن كانت قرية فهي من قرى السِّيف، ويشهد له قول ابن مقبل:
عَمَد الحُداةُ بها لغارضِ قِريةٍ وكأنها سُفُنٌ بِسيْفِ أَوالِ
(الشَّذبُ) القُشورُ، وجذعٌ مُشَذَّبٌ: أي مقشّر؛ إذا قَشَرْت ما عليه من الشوك، =

صفحة رقم 495

قال أبو عبيدة: أهطع وهطع إذا أسرع مقبلًا خائفًا، لا يكون إلا مع خوف (١)، وقال أحمد بن يحيىَّ: المُهطِعُ الذي ينظر في ذُلٍّ وخشوعٍ (٢)، وقال ابن جريج: المهطع الساكت المنطلق إلى الهُتافِ إذا هتف هاتفٌ (٣) وقال الليث: يقال للرجل إذا أقرَّ وذلَّ قد أهطع (٤)، وأنشد:
ونِمْرُ بن سَعْدٍ لي مُطيعٌ ومُهطِعُ (٥)
فهذه أربعة أقوال لأهل اللغة في تفسير هذا الحرف، وأما قول

= والمِشْذَبُ: المِنْجَلُ الذي يُشْذَّبُ به.
انظر: "معجم ما استعجم" ١/ ٢٠٨، و"اللسان" (شذب) ٤/ ٢٢١٩، و"التاج" (سرح) ٤/ ٨٥.
(١) ليس في مجازه، وورد في "جمهرة اللغة" ٢/ ٩١٧ بنصه تقريباً، و"تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٩ بنصه، وهو مصدره.
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ١٩/ ١٤١، و"الدر المصون" ٧/ ١٢٠، و"عمدة الحفاظ" ٤/ ٢٩٤، و"تفسير الشوكاني" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣١، وورد في "تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨ بنصه منسوباً لأبي الفضل المنذري، وأغلب الظن أنه يرويها عن ثعلب؛ لأن كثيراً من روايات ثعلب يرويها الأزهري عن طريق شيخه أبي الفضل المنذري. انظر مثلاً روايته لقنع عنه، في "تهذيب اللغة" (قنع) ٣/ ٣٠٦١.
(٣) ورد بنصه غير منسوب في "اللسان" (هطع) ٨/ ٤٦٧٤.
(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨بنصه.
(٥) وصدره:
تَعبَّدنِي نِمْرُ بنُ سعدٍ وقد أُرى
ورد البيت منسوباً إلى تُبَّع في "الإتقان" ٢/ ١٠١، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨ و"الصحاح" (عبد) ٢/ ٥٠٣، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٩ أ، و"الماوردي" ٣/ ١٤٠، و"الأساس" ٢/ ٥٤٨، و"الفريد في الإعراب" ٣/ ١٧٣، و"اللسان" (عبد) ٥/ ٢٧٧٩.

صفحة رقم 496

المفسرين: فقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: مسرعين (١)، وقال سعيد عن قتادة: منطلقين عامدين إلى الداعي (٢)، وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قولى: مُهْطِعِينَ ما الإهطاع؟ قال: النظر (٣)، وفي ذلك يقول الشاعر (٤):

إذا دَعَانَا فأهْطَعْنا لدَعْوته داعٍ سميعٌ فَلَفُّونَا وسَاقُوْنا (٥)
وهذا قول مجاهد والضحاك والكلبي والعوفي عن ابن عباس قالوا: ناظرين مديمي النظر من غير أن يطرفوا (٦)، ونحو ذلك قال أبو الضحى؛
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣، بلفظه عن قتادة، والطبري ١٣/ ٢٣٧ بلفظه عن قتادة، وبمعناه عن سعيد، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٣٨، عن قتادة. "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١٠، عن قتادة، والماوردي ٣/ ١٤٠، عنهم، و"الطوسي" ٦/ ٣٠٣ عنهم، وأورده اليوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٦٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٧ بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٨ ب بنصه.
(٣) ورد في "الوقف والابتداء" لابن الأنباري ١/ ٨٧، وانظر: "الدر المنثور" ٤/ ١٦٣.
(٤) هو عمران بن حطان من رؤوس الخوارج (ت ٨٤ هـ).
(٥) ورد في "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري ١/ ٨٨، و"تفسير ابن عطية" ٨/ ٢٥٩، وأبي حيان ٥/ ٤٢٩، وورد بلا نسبة في "الدر المصون" ٧/ ١١٩، و"الدر المنثور" ٤/ ١٦٣، (لَفَّ): بمعنى جمع. انظر: "اللسان" (لفف) ٧/ ٤٠٥٤.
(٦) "تفسير مجاهد" ص ٣٣٦ مختصراً، ولفظه: مديمي النَّظَر، أخرج الطبري ١٣/ ٢٣٧ مختصراً وبنحوه عنهم ماعدا الكلبي، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٣٨ مختصراً، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١٠ مختصراً، والثعلبي ٧/ ١٥٩ أ، عن مجاهد قال: مديمي النظر، وعن ابن عباس والضحاك قال: شدة النظر من غير أن يطرفوا، وعن الكلبي قال: ناظرين، و"الماوردي" ٣/ ١٤٠ بنحوه عن ابن عباس والضحاك، وورد في "الدر المنثور" ٤/ ١٦٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.

صفحة رقم 497

قال: الإهطاع من التَّحْمِيج (١) الذي زدتُم (٢) النظر ولا يَطْرِف (٣).
وهذه الأقوال توافق ما حكينا من أهل اللغة، والجامع لهذه الأقوال قول من قال الإهطاع: إسراعٌ مع إدامة نظر (٤).
وقوله تعالى: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ قال ابن السكَيت: أقنع رأسه إذا رفعه (٥)، قال النضر: أقنع فلانٌ رأسه، وهو أن يرفع بصره ووجهه إلى السماء، قال: والمقنع: الرافع رأسه إلى السماء (٦)، وقال أحمد بن يحييَّ: الإقناع: رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع (٧).
ومنه ما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "تُقْنِع يديك في الدعاء". أي: ترفعهما (٨).

(١) في جميع النسخ (التجميح)، وهو تصحيف، والصحيح المثبت، وهو موافق للطبري، يقال: حَمَّجَ تحميجاً، أي نظر بخوف، وتحميج التعيين: غؤُورُهما. انظر: "المحيط في اللغة" (حمج) ٢/ ٤١٨.
(٢) في (أ): (ررتم)، وفي (ش): (زُتم)، والمثبت من (د)، (ع).
(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٧ بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٣٨، بمعناه، انظر: "تفسير ابن عطية" ٨/ ٢٦٠.
(٤) وهو قول أبي عبيدة، نسبه إليه النحاس في معانيه ٣/ ٥٣٨، ولفظه بعد أن ذكر قولين قال: قال أبو عبيدة: وقد يكون الوجهان جميعاً، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. اهـ. ولم أجده في مجازه، والذي فيه: مهطعين: أي مسرعين ١/ ٣٤٢، وكذلك نسبه إليه ابن عطية ٨/ ٢٦٠، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٦، وأخطأ المحقق بنسبته إلى أبي عبيد.
(٥) "إصلاح المنطق" ص ٢٣٨ بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (قنع) ٣/ ٣٠٦٠ بنصه.
(٦) "تهذيب اللغة" (قنع) ٣/ ٣٠٦١، نقله بنصه.
(٧) "تهذيب اللغة" (قنع) ٣/ ٣٠٦٠، نقله بنصه.
(٨) لم أقف على هذا اللفظ، وورد بنحوه من طريقين، ونصه: قال رسول الله - ﷺ -: "الصلاة مثنى مثنى، تشهَّدُ في ركعتين، وتخَشَّعُ وتَضَرَّعُ وتَمَسْكن ثم تُقْنِعُ يديك، =

صفحة رقم 498

وقال أبو إِسحاق: المقنع الرافع (١)، وأنشد للشمَّاخ:

يُبَاكرْن العِضَاهَ بمُقْنَعاتٍ نَوَاجِذُهُنَّ كالحدأِ الوَقِيعِ (٢)
أراد بأفواه مرفوعات إلى العِضَاة، يصف إبلًا ترعى الشجرَ، شبَّه أنيابها بالفؤوس المحدُودة، والحِدأُ: الفؤوس بالكسر، وعند الكوفيين الحَدَأُ بالفتح جمع حَدَأة، فهما لغتان (٣)، ونحو ما قال أهل اللغة قال
= يقول: ترفعهما.. " أخرجه أحمد ١/ ٢١١، والترمذي: (٣٨٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التَّخشُّع في الصلاة، كلاهما من طريق الليث بن سعد عن الفضل ابن العباس عن النبيّ - ﷺ -، وأخرجه أبو داود (١٢٩٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة النهار، والبيهقي في السنن: الصلاة/ صلاة الليل والنهار مثنى ٢/ ٤٨٨ كلاهما من طريق شعبة عن المطلب عن النبي - ﷺ -، قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: رواية الليث بن سعد أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع، ثم ذكرها. انظر: "علل الترمذي" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ وقد حسّن إسناد الليث أبو حاتم في "علل الحديث" لابن أبي حاتم ١/ ١٣٢، وقال صاحب "تحفة الأحوذي" ٢/ ٣٢٨ قال ابن حجر: إسناده حسن. والصحيح أن الحديث ضعيف كما أشار صاحب التحفة نفسه لأن مداره على عبد الله بن نافع، وهو مجهول، وقال البخاري: لم يصح حديثه. انظر: "التاريخ الكبير" ٥/ ٢١٣.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٦، بلفظه.
(٢) "ديوان الشمّاخ" ص ٢٢٠، وورد في "مجاز القرآن" ١/ ٣٤٣، و"تفسير الطبري" ١٣/ ٢٣٨، و"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٦ "تهذيب اللغة" (حدا) ١/ ٧٥٥، و"تفسيرالثعلبي" ٧/ ١٥٩أ، والطوسي ٦/ ٣٠٣، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٧، و"اللسان" (قنع) ٦/ ٣٧٥٦، وفي رواية الديوان والزجاج والثعلبي: (يُبَادرْنَ) بدل (يباكرن)، (يباكرن) يبادرن ويعاجلن، (العضاه) هي شجر الشوك؛ واحدها عِضَة وعِضَهَة وعِضَاهَة، (المُقْنَعات) جمع مقْنَع، والمحضع من الإبل: الذي يرفع رأسه خِلْقةً (النواجذ) الأضراس، (الوقيع): المحدَّدة والمرقَّقة بالمِيْقَعة، أي المطرقة. انظر: "المحيط في اللغة" (عضة) ١/ ١٠٩، و"اللسان" (قنع) ٦/ ٣٧٥٤.
(٣) انظر: "إصلاح المنطق" ١٤٩، و"المنتخب من غريب كلام العرب" ١/ ٣٣٣، =

صفحة رقم 499

المفسرون في الإقناع، قالوا: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ: رافعي رؤوسهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد (١)، قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد (٢).
وقوله تعالى: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر؛ فهي شاخصة والطَرْفُ: تحريك الجفون في النظر، يقال: شخص بصره فما يَطْرِف (٣)، والطرْفُ: اسم جامع للبصر لا يُثنَى ولا يُجمع (٤).
وتأويل قوله: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي: نظرهم إلى شيء واحد، فكأن ذلك الشيء الذي ينظرون إليه قد ذهب بنظرهم نحوه؛ فليسوا ينظرون إلى غيره، هذا معنى قولنا: لا يرجع إليهم نظرهم.

= و"جمهرة اللغة" ٢/ ١١٠٧، و"تهذيب اللغة" (حدا) ١/ ٧٥٤، و"المحكم" لابن سيده (حدأ) ٣/ ٣١١، و"العباب الزاخر" أ/ ص ٤٠.
(١) "تفسير مجاهد" ص ٣٣٦ بنصه، أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣ بنحوه عن قتادة، والطبري ١٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩ بنصه عن الضحاك وابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وبنحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد.
وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٣٨ بنحوه عن مجاهد وقتادة، و"الماوردي" ٣/ ١٤١ بنصه عن ابن عباس ومجاهد.
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٩ بنصه، وورد في "تفسيرالثعلبي" ٧/ ١٥٩ أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٥٩، وابن عطية ٨/ ٢٦٠، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٧، والخازن ٣/ ٨٥.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (طرف) ٣/ ٢١٨٠ بنصه، وهو قول الليث، وانظر: "المحيط في اللغة" (طرف) ٩/ ١٦٠.
(٤) المصدر السابق بنصه.

صفحة رقم 500

وقوله تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد خرجت القلوب من مواضعها فصارت في الحناجر (١)، ونحو هذا قال قتادة: انتزعت حتى صارت في حناجرهم (٢)، فعلى هذا، الأفئدة: أريد بها مواضع القلوب، وذهب قوم من أهل اللغة إلى الفرق بين القلب والفؤاد؛ فقال الليث: القلب مضغةٌ من الفؤاد معلَّقة بالنيَّاط (٣).
وقال النبيّ - ﷺ -: "أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ قلوبًا وألينُ أفئدة" (٤)،

(١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٥ بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٧١، و"الفريد في الإعراب" ٣/ ١٧٤.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣، بمعناه، والطبري ١٣/ ٢٤١ بنصه، وورد في "تفسيرالثعلبي" ٧/ ١٥٩ ب بنصه، والماوردي ٢/ ٣٤٣ بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٦٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه. والنياط: عِرقٌ غليظٌ معلق بالقلب. انظر: "المحيط في اللغة" (نوط) ٩/ ٢٢٠.
(٤) أخرجه بنحوه عن أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٣٥، ٢٥٢، ٦٦٧، ٢٧٧، ٣٨٠، البخاري (٣٤٨٨) المغازي/ قدوم الأشعريين، البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ١٥٩، ومسلم (٥٢): الإيمان/ تفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن فيه ١/ ٧٢، والبيهقي في السنن: الصلاة/ ما يستدل به على ترجيح قول أهل الحجاز وعملهم ١/ ٣٨٦، وورد في "تهذيب اللغة" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه، و"مشكاة المصابيح" المناقب، ذكر اليمن والشام ٣/ ١٧٦٥، و"كنز العمال" ١٢/ ٤٧ كلاهما عزاه للصحيحين، وُيُرَدّ على الواحدي في استدلاله بالحديث على أن القلب أخص من الفؤاد - لوصف الحديث القلوب بالرقة والأفئدة باللين أن كل الروايات التي وقفت عليها والتي جمعت بين القلوب والأفئدة إنما وصفت القلوب باللين والأفئدة بالرقة أي عكس ما ذكر ولم يوصف القلب بالرقة إلا في روايتين لأحمد ورواية للبخاري في تاريخه، وهذه الروايات ذكرت القلب وحده، فلا شاهد فيها، بل ذهب النووي إلى عكس قول الواحدي؛ فجعل الفؤاد أخص من القلب، فقال: وقيل الفؤاد غير القلب، وهو عن القلب وفي باطن القلب وقيل غشاء القلب. انظر: "صحيح =

صفحة رقم 501

فوصف القلوب بالرقّة والأفئدة باللين، وكأن القلب أخصُّ منا لفؤاد، ولذلك قالوا: أصبت حبة قلبه (١)، والهواء: ما بين السماء والأرض (٢)، والعرب تسمّي كل خالٍ هواء (٣)، يقولون: بيت هواء، إذا كان خاليًا قفْرًا لا شيء فيه، والمعنى في الآية: أن قلوبهم ارتفعت إلى حناجرهم من فزع ذلك اليوم وهوله، وبقي موضعها هواء لا شيء فيه كهواء ما بين السماء والأرض، ولهذا المعنى قالوا للجبان: مُجوَّفٌ هواء، أي أنه لا قلب له، ومنه قول حسان:
فأنْتَ مُجوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ (٤)

= مسلم بشرح النووي ٢/ ٣٤، ولعل سبب مخالفة رواية الواحدي لروايات كتب السنة التي ذُكِرت، أنه قد اعتمد في نقل هذا الحديث والتعليق عليه على كتاب "تهذيب اللغة"؛ وكتب اللغة ليست دقيقة في نقل الأحاديث كالكتب المتخصصة.
(١) ورد في "تهذيب اللغة" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه.
(٢) انظر: (هوى) في "الصحاح" ٦/ ٢٥٣٧، و"اللسان" ٨/ ٤٧٢٦.
(٣) ورد بنحوه في: "تفسير الطبري" ١٣/ ٢٤١، و"الثعلبي" ٧/ ١٥٩ ب.
(٤) وصدره:
ألا أبلغ أبا سفيان عني
"ديوان حسان" ص ٩، وورد في: "مجاز القرآن" ١/ ٣٤٤، و"تفسير الطبري" ١٣/ ٢٤١، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٤١، و"تهذيب اللغة" (جاف) ١/ ٥٢٢، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٩ ب، والماوردي ٣/ ١٤١، والزمخشري ٢/ ٣٠٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٧١، وابن عطية ٨/ ٢٦٢، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٧، والبقاعي ٤/ ١٩٤، و"العباب الزاخر" ف/ ٧٧. (المُجوَّف) الجبان الذي لا قَلْب له، كأنه خالي الجوفِ من الفؤاد، (النَّخْبُ) الضعف، يقال رجلٌ نخِبُ الفؤاد ومَنْخُوبٌ: أي جبان. انظر: "المحيط في اللغة" (نخب) ٤/ ٣٦١، و"اللسان" (جوف) ٢/ ٧٢٨. وفي هذا البيت يصف حسّان أبا سفيان بالجبن والضعف، وأغلب الظن أنه كان قبل أن يسلم رضي الله عنهما.

صفحة رقم 502

وقال زهير يصف ناقة:

كأنّ الرَّحْلَ منها فَوقَ صَعْلٍ من الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ (١)
أي لا قلب في صدره فهو خال، وذهب آخرون إلى أن معنى الآية: أن قلوبهم عما ذهلوا من الفزع خلت عن العقول، وهو معنى قول ابن عباس في رواية العوفي، وبه قال مجاهد، ومُرَّة، وابن زيد، واختاره الأخفش؛ فقال في قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ أي جَوْفٌ لا عقول لها ولا خير فيها (٢)، وعلى هذا القول، المراد بالأفئدة: القلوب، وهو الصحيح في اللغة (٣)، قال الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦] يعني القلب، وقال امرؤ القيس:
رَمَتْني بسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ غداةَ الرَّحِيل فلم أشهر
يعني أصاب قلبي، الأزهري: ولم أرهم يفرقون بينهما (٤)، ويحتاج
(١) "شرح ديوان زهير" ص ٦٣، وورد البيت في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٦، مع اختلاف يسير في كلمتين: (الظلماء) و (جؤجؤها)، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٤٠، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٩ ب، والزمخشري (٢/ ٣٠٧ (عجزه))، وابن عطية ٨/ ٢٦٢، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٨، وأبي حيان ٥/ ٤٣٠، و"الدر المصون " ٧/ ١٢٣. (الرحْل) ما يوضع على ظهر البعير للركوب عليه، (الصَّعْل) الدقيقُ الحُنُق الصغيرُ الرأس، (الظلمان) جمع ظليم وهو ذَكَر النَّعام، (جؤجؤه) صدره، (هواء) لا مخَّ فيه، وقال الأصمعي: جؤجؤه هواء: أي أنه مُنْتَخَبُ العقل [أي جبان] وإنما أراد أنه لا عقل له، وكذلك الظَّليمُ هو أبداً كأنه مجنون.
(٢) لم أجده في معانيه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٥٩ ب بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٥٩.
(٣) وهذا القول هو الذي رجحه الطبري ١٣/ ٢٤١، وأيَّده ببيت حَسَّان السابق.
(٤) لم أجده في "تهذيب اللغة"، وكلامه هذا يتناقض مع استشهاده بحديث: (أتاكم أهل اليمن)؛ حيث فرق بين القلب والفؤاد، إلا أن يكون هذا من كلام الواحدي =

صفحة رقم 503

في هذا التفسير إلى تقدير المضاف، كأن المعنى: وأفئدتهم ذات هواء؛ أي خالية.
٤٤ - قوله تعالى: وَأَنْذِرِ النَّاسَ هذا عطف على قوله: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا لأنه قد تمَّ وصف الكفار وحالهم عند البعث في القيامة، ثم عاد إلى خطاب النبيّ - ﷺ - وأمره بالإنذار فقال: وَأَنْذِرِ النَّاسَ قال ابن عباس: يعني أهل مكة (١)، قال: ولو أن أهل مكة اتبعوا النبي - ﷺ - ما اختلف عليه اثنان، قال: ويقال لو آمن الوليد بن المغيرة ما تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - أحد.
وقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ (يوم) مفعول به، والعامل فيه أنذرهم؛ كما يقول: خوّفه العقاب وخوّفه الهلاك، ولا يكون على الظرف؛ لأنه لم يؤمر بالإنذار في ذلك اليوم (٢).
وقوله تعالى: فَيَقُولُ عطف يَأْتِيهِمُ؛ يعني: فيقولون في ذلك اليوم، الَّذِينَ ظَلَمُوا قال ابن عباس: يريد أشركوا (٣)، رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ استمْهَلوا مدةً يسيرة لكي يجيبوا الدعوة ويتبعوا الرسل، قال ابن عباس: يريدون الرجعة إلى الدنيا، وهذا معنى وليس

= الواحدي، وكلمة الأزهري صفة للقلب لا أنها علم، وهو محتمل.
(١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٥ بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٧٢، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٧٨، والأولى حمل الآية على العموم، لعدم وجود مخصص.
(٢) انظر: "البيان في غريب الإعراب" ٢/ ٦١، و"الإملاء" ٢/ ٧٠، و"الفريد في الإعراب" ٣/ ١٧٤.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص ٢٧٤، بلفظه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١٠، والبغوي ٤/ ٣٥٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٢.

صفحة رقم 504

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية