ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

مُهْطِعِينَ أي : مسرعين من أهطع يهطع إهطاعاً : إذا أسرع. وقيل : المهطع : الذي ينظر في ذلّ وخشوع، ومنه :

بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع
وقيل : المهطع : الذي يديم النظر. قال أبو عبيدة : قد يكون الوجهان جميعاً، يعني : الإسراع مع إدامة النظر ؛ وقيل : المهطع الذي لا يرفع رأسه. وقال ثعلب : المهطع الذي ينظر في ذلّ وخضوع. وقيل : هو الساكت. قال النحاس : والمعروف في اللغة أهطع : إذا أسرع مُقْنِعِي رُؤُوسَهُمْ أي : رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس : رفعه، وأقنع صوته : إذا رفعه، والمعنى : أنهم يومئذٍ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذلّ، ولا ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل : إن إقناع الرأس نكسه ؛ وقيل : يقال : أقنع : إذا رفع رأسه، وأقنع : إذا طأطأ ذلة وخضوعاً، والآية محتملة للوجهين. قال المبرد : والقول الأوّل أعرف في اللغة. قال الشاعر :
أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئاً أطمعا
لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي : لا ترجع إليهم أبصارهم، وأصل الطرف : تحريك الأجفان، وسميت العين طرفاً، لأنه يكون بها، ومن إطلاق الطرف على العين قول عنترة :
وأغض طرفي [ إن ] بدت لي جارتي حتى [ يُوارِي ] جارتي مأواها
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء الهواء في اللغة : المجوف الخالي الذي لم تشغله الأجرام، والمعنى : أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم، لما شاهدوا من الفزع [ والحيرة ] والدهش، وجعلها نفس الهوى مبالغة، ومنه قيل للأحمق والجبان : قلبه هواء، أي : لا رأي فيه ولا قوّة ؛ وقيل : معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر. وقيل : المعنى : أن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. وقيل : المعنى : أفئدتهم ذات هواء، ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً [ القصص : ١٠ ]، أي : خالياً من كل شيء إلاّ من همّ موسى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوي الأخلاق عن ميمون بن مهران في قوله : وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون قال : هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار قال : شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مُهْطِعِينَ قال : يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف مُقْنِعِي رُؤُوسَهُمْ قال : الإقناع رفع رؤوسهم لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ قال : شاخصة أبصارهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد مهطعين قال : مديمي النظر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة مهطعين قال : مسرعين. وأخرج هؤلاء عن قتادة في قوله : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء قال : ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مرة وأفئدتهم هواء قال : منخرقة لا تعي شيئا. وأخرج عبد بن حميد وابم جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب يقول : أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب هو يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ قال : عما أنتم فيه إلى ما تقولون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله : مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ قال : بعث بعد الموت.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن في قوله : وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ قال : عملتم بمثل أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ يقول : ما كان مكرهم لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ يقول : شركهم كقوله : تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً [ مريم : ٩٠ ]. وأخرج عبد بن حميد، ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن عليّ ابن أبي طالب، أنه قرأ هذه الآية : وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ثم فسرها فقال : إن جباراً من الجبابرة قال : لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط أرجلهنّ بأوتاد، ثم جوّعهنّ، ثم جعل على رأس الخشبة لحماً، ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهنّ إلى قوائم التابوت، ثم خلي عنهنّ يردن اللحم، فذهبن به ما شاء الله، ثم قال لصاحبه : افتح فانظر ماذا ترى، ففتح فقال : انظر إلى الجبال كأنها الذباب، قال : أغلق فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال : افتح ففتح، فقال : انظر ماذا ترى، فقال : ما أرى إلاّ السماء، وما أراها تزداد إلاّ بعداً، قال : صوّب الخشبة فصوّبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدّتها فكادت تزول عن مراتبها. وقد روي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمروذ من طرق ذكرها في الدرّ المنثور.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية