ثم ضرب الله مثلاً آخر فقال : وضَرَبَ اللهُ مثَلاً ، ثم بيًّنه بقوله : رجلين أحدهما أبْكَمُ ؛ وُلد أخرس، لا يَفهم ولا يُفهم، لا يقدر على شيء من الصنائع والتدابير ؛ لنقصان عقله، وهو كَلٌّ أي : ثقيل عيال على مولاه الذي يلي أمره، أينما يُوجهه : يُرسله في حاجة أو أمر لا يأتِ بخير ؛ بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. هل يستوي هو ، أي : الأبكم المذكور، ومَن يأمر بالعدل ؛ ومن هو مِنطيقٌ متكلم بحوائجه، ذو كفاية ورشد، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل، وهو على صراط مستقيم ، أي : وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعْي ؟
وهذا مثال للحق تعالى، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل : للكافر والمؤمن. والأصوب : كون المَثَليْن معًا في الله مع الأصنام ؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم.
الإشارة : الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية، منعوت بعظمة الألوهية، وعبيده موسومون بنقائص العبودية، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله في باطنه بكمالات الربوبية ؛ من قوة وعلم، وغنى وعز، ونصر وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية ؛ من ذل، وفقر، وضعف، وعجز، وجهل. فبقدر ما تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية ؛ " تحقق بوصفك يمدك بوصفه "، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرًا بين خلقه، لا منفردًا وحده ؛ إذ ليس فيه كبير مجاهدة ؛ إذ كل الناس يقدرون عليه، وإنما التحقق بالوصف - الذي هو ضامن للمدد الإلهي - هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي