تمهيد :
تشنّع الآيات على الكافرين، في عبادتهم الأصنام والأوثان، مع عجزها وعدم قدرتها على رزق الآخرين، وتنهى أن يجعل لله ندّا أو مثيلا، فهو سبحانه لا ند له ولا نظير، ثم ضرب سبحانه مثلا، قارن فيه بن عبد مملوك قاصر قليل الحيلة، وحر متحرك ينفق سرا وجهرا هل يستويان ؟، وإذا امتنع ذلك فكيف يسوي المشركون القادر الرازق، والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على النفع والضر.
والمثل الثاني : مثل رجلين :
أحدهما : أبكم عاجز لا يقدر على تحصيل خير، وهو عبء ثقيل على سيده.
وثانيهما : رجل يأمر غيره بالعدل، وهو متحدث ناطق ناصح لغيره، جامع لخصال الخير في نفسه، متعدد المواهب والمزايا، نافع لنفسه وللآخرين، وفيه أيضا مقارنة بين صم لا يسمع ولا ينفع، وبين رب قادر خالق رازق سميع مجيب.
المفردات :
أحدهما أبكم : البكم : الخرس ؛ وهو إما ناشئ من صمم خلقي، وإما لسبب عارض، ولا علة في أذنيه، فهو يسمع، لكن لسانه معتقل لا يطيق الكلام، فكل من ولد غير سميع فهو أبكم ؛ لأن الكلام بعد السماع، ولا سماع له.
الكل : الغليظ الثقيل من قولهم : كلت السكين، إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل عن الأمر : ثقل عليه فلم يستطع عمله، وقد يسمى اليتيم : كلا ؛ لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر :
| أكول لمال الكل قبل شبابه | إذا كان عظم الكل غير شديد |
على صراط مستقيم : أي : طريق عادل غير جائر.
التفسير :
وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم .
يصور هذا المثل رجلين :
أحدهما : أبكم بليد ضعيف لا يسمع، ولا يسمع، وهو عاجز عن خدمة نفسه، فضلا عن خدمة غيره، وهو مثال للصنم المصنوع من خشب أو نحاس، وهو في حاجة إلى من يحمله وينظفه ويعنى به، وترى أن النموذج لرجل فاقد الحيلة، محتاج إلى مولى يرعاه وينفق عليه، وعاجز عن إنجاز أي مهمة.
هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم . أي : هل يستوي الأبكم الأصم العاجز الضعيف، برجل سليم الحواس عاقل، ينفع نفسه وينفع غيره، يأمر الناس بالعدل وهو على سيرة صالحة ودين قويم، هل يستويان ؟ !.
ولا يسوِّى عاقل بين هذا وذاك، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وتعالى، وهو القادر العليم، الآمر بالمعروف، الهادي إلى الصراط المستقيم٥١.
ويمكن أن تكون هذه النماذج ؛ لبيان الفرق الشاسع، بين المؤمن الذي هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذي استجلب العمى على الهدى، أو بين الحق في وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل في ظلامه وقبحه.
وبهذه الأمثلة ؛ تكون السورة قد ساقت أعظم الأدلة، وأوضحها على صحة قوله تعالى قبل ذلك : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد... ( النحل : ٥١ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته