تفسير المفردات : والبكم : الخرس، وهو إما ناشئ من صمم خلقي، وإما لسبب عارض ولا علة في أذنيه، فهو يسمع، لكن لسانه معتقل لا يطيق الكلام، فكل من ولد غير سميع فهو أبكم ؛ لأن الكلام بعد السماع، ولا سماع له، وليس كل أبكم يكون أصم صمما طبيعيا، فإن بعض البكم لا يكونون صما. والكل : الغليظ الثقيل، من قولهم : كلت السكين، إذا غلظت شفرتها فلم تقطع. وكل عن الأمر : ثقل عليه فلم يستطع عمله. يوجهه : أي : يرسله في وجه معين من الطريق، يقال : وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه. على صراط مستقيم : أي طريق عادل غير جائر.
المعنى الجملي : بعد أن بين عزت قدرته دلائل التوحيد البيان الشافي فيما سلف –أردف ذلك الرد على عابدي الأوثان والأصنام، فضرب لذلك مثلين يؤكد بهما إبطال عبادتها : ، أولهما : العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والحر الكريم الغني الإنفاق سرا وجهرا، ولفت النظر إلى أنهما : هل يكونان في نظر العقل سواء مع تساويهما في الخلق والصورة البشرية ؟ وإذا امتنع ذلك فكيف ينبغي أن يسوى بين القادر على الرزق والإفضال، والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على النفع والضر.
والثاني : مثل رجلين : أحدهما : أبكم عاجز لا يقدر على تحصيل خير وهو عبء ثقيل على سيده، وثانيهما : حوّل قلّب ناطق كامل القدرة، أيستويان لدى أرباب الفكر مع استوائهما في البشرية ؟ وإذا فكيف يدور بخلد عاقل مساواة الجماد برب العالمين في الألوهية والعبادة ؟
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، ومولى له كافر يسمى أسيد ابن أبي العاص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان المولى ينهاه عن الصدقة والمعروف.
الإيضاح : ثم ضرب مثلا آخر يدل عليه المثل السابق على وجه أظهر وأوضح فقال : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، أي : ضرب الله مثلا لنفسه والآلهة التي يعبدونها من دونه مثل رجلين أحدهما أخرس أصم لا يَفهم ولا يُفهم، فلا يقدر على شيء مما يتعلق بنفسه أو بغيره، وهو عيال على من يعوله ويلي أمره، حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت بنجح ولا كفاية مهمّ – وثانيهما رجل سليم الحواس عاقل ينفع نفسه وينفع غيره، يأمر الناس بالعدل وهو على سيرة صالحة ودين قويم – هل يستويان ؟
كذلك الصم لا يسمع شيئا ولا ينطق ؛ لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع، لا يقدر على نفع من خدمة، ولا دفع ضر عنه، وهو كلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه، وهو لا يعقل ما يقال له فيأتمر بالأمر، ولا ينطق فيأمر وينهى، هل يستوي هو ومن يأمر بالحق ويدعو إليه، وهو الله الواحد القهار الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته ! وهو مع أمره بالعدل على طريق مستقيم، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه.
تفسير المراغي
المراغي