ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

ثم ذكر سبحانه مثلاً ثانياً ضربه لنفسه، ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضرّ ولا تنفع فقال : وَضَرَبَ الله مَثَلاً أي : مثلاً آخر أوضح مما قبله وأظهر منه، و رَجُلَيْنِ بدل من مثل وتفسير له، والأبكم العييّ المفحم ؛ وقيل : هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر، ثمّ وصف الأبكم فقال : لاَ يَقْدِرُ على شَيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه، وعدم قدرته على النطق، ومعنى كَلٌّ على مَوْلاهُ ثقيل على وليه وقرابته وعيال على من يلي أمره ويعوله، ووبال على إخوانه، وقد يسمى اليتيم : كلا ؛ لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر :

أكول لمال الكلّ قبل شبابه إذا كان عظم الكلّ غير شديد
وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقاً، ثم وصفه بصفة رابعة فقال : أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ أي : إذا وجهه إلى أيّ جهة لا يأت بخير قط، لأنه لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول. وقرأ يحيى بن وثاب «أينما يوجه » على البناء للمجهول، وقرأ ابن مسعود «أينما توجه » على صيغة الماضي هَلْ يَسْتَوِي هُوَ في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها وَمَن يَأْمُرُ بالعدل أي : يأمر الناس بالعدل مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ويفهم، ويقدر على التصرّف في الأشياء. وَهُوَ في نفسه على صراط مُّسْتَقِيمٍ على دين قويم، وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط، قابل أوصاف الأوّل بهذين الوصفين المذكورين للآخر، لأن حاصل أوصاف الأوّل عدم استحقاقه لشيء، وحاصل وصفي هذا أنه يستحق أكمل استحقاق، والمقصود الاستدلال بعدم تساوي هذين المذكورين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكاً له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا الآية قال : يعني الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا الآية، قال : يعني : المؤمن وهذا المثل في النفقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية، وفي قوله : مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ قال : كل هذا مثل إله الحق وما تدعون من دونه الباطل. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : في المثل الأوّل، يعني بذلك : الآلهة التي لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء ينفعها وَمَن رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا قال : علانية الذي ينفق سرّاً وجهراً لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن عساكر عنه، قال : نزلت هذه الآية ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا في رجل من قريش، وعبدة بن هشام بن عمرو، وهو الذي ينفق سرّاً وجهراً، وفي عبدة أبي الجوزاء الذي كان ينهاه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ الآية قال : يعني بالأبكم : الذي هو كلّ على مولاه الكافر وَمَن يَأْمُرُ بالعدل المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عنه أيضاً قال : نزلت هذه الآية وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في قوله : وَمَن يَأْمُرُ بالعدل قال : عثمان بن عفان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : كُلٌّ قال : الكلّ : العيال، كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط عليهم، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ يعني : نفسه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر هو أن يقول : كن فهو كلمح البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فالساعة كلمح البصر أو هي أقرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله : والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم قال : من الرحم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فِي جَوّ السماء أي : في كبد السماء.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية