تفسير المفردات : والظلال : ما يستظل به من الغمام والشجر والجبال وغيرها. والأكنان واحدها كِنّ : وهو الغار ونحوه في الجبل. والسرابيل واحدها سربال : وهو القميص من القطن والكتّان والصوف وغيرها، وسرابيل الحرب الجواشن والدروع. والبأس : الشدة ويراد به هنا الحرب.
المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الأدلة على توحيده، قفى على ذلك بذكر ما أنعم به على عباده، فجعل لهم بيوتا يأوون إليها وتكون سكنا لهم، وجعل لهم من جلود الأنعام بيوتا يستخفون حملها في أسفارهم، ويجعلونها خياما في السفر والحضر، وجعل لهم في الجبال الحصون والمعاقل، وجعل لهم الثياب التي تقيهم الحر، والدروع والجواشن من الحديد ؛ لتقي بعضهم أذى بعض في الحرب.
وقصارى هذا : إنه امتن على عباده، فبدأ بما يخص المقيمين بقوله : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، ثم بما يخص المسافرين منهم ممن لهم قدرة على ضرب الخيام بقوله : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ، ثم بمن لا قدرة لهم على ذلك ولا يأويهم إلا بالظلال بقوله : وجعل لكم مما خلق ظلالا ، ثم بما لا بد منه لكل أحد بقوله : وجعل لكم سرابيل الخ، ثم بما لا غنى عنه في الحروب بقوله : وسرابيل تقيكم بأسكم .
الإيضاح : والله جعل لكم مما خلق ظلالا ، أي : ومن نعمه تعالى عليكم أن جعل لكم مما خلق الأشجار وغيرها ظلالا تستظلون بها من شديد الحر.
وجعل لكم من الجبال أكنانا ، أي : وجعل لكم من الجبال مواضع تستكنون فيها، كالمغارات والكهوف ونحوها.
وجعل لكم سرابيل تقيكم من الحر ، أي : وجعل لكم ثيابا من القطن والكتان والصوف ونحوها، تقيكم الحر الشديد الذي في بلادكم، وهو مما يذيب دماغ الضبّ حين حمارّة القيظ.
وسرابيل تقيكم بأسكم ، أي : وجعل لكم دروعا وجواشن تقيكم بأس السلاح وأذاه حين الحرب، وحين يتقدم القرن إلى قرنه للمصاولة والطعن والضرب والرمي بالنبال.
تنبيه : لما كانت بلاد العرب شديدة الحر وحاجتهم إلى الظل ألزم، ذكر هذا في معرض النعم العظيمة، إلى أن ما يقي من الحر يقي من البرد أيضا، فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر.
قال الشهاب الخفاجي في الريحانة : في الآية نكتة لطيفة لم ينبهوا عليها، وهي أنه إنما اقتصر على الحر ؛ لأنه أهم هنا لما عرف من غلبة الحر على ديار العرب، ثم إن ما يقي الحر يحصل به برودة في الهواء في الجملة، فوقاية الحر إنما هي لتحصيل البرد، وهذا من اللطف ما هو ألطف من النسيم، فلله در التنزيل فكم فيه من أسرار لا تتناهى اه.
كذلك يتم نعمته عليكم ، أي : كما خلق هذه الأشياء لكم، وأنعم بها عليكم، يتم نعمة الدنيا والدين عليكم، ويجعلكم ملوكا وأمراء فيما تفتحون من البلاد والأصقاع، ويجعل رائدكم فيما تعلمون وجه الله وإصلاح الأمم والشعوب، كما قال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [ النور : ٥٥ ].
لعلكم تسلمون ، أي : توقعا للنظر فيما أسبغ عليكم من النعم، فتعرفون حقّ المنعم بها، فتؤمنون به وحده، وتذرون ما أنتم به مشركون، فتسلمون من عذابه، فإن العاقل إذا أسدي إليه المعروف شكر من أنعم به عليه، كما قال المتنبي :
وقيدت نفسي في دراك محبّة ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
تفسير المراغي
المراغي