قوله عز وجل : والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ، فيه وجهان :
أحدهما : البيوت، قاله الكلبي.
الثاني١ : الشجر، قاله قتادة.
وجعل لكم من الجبال أكناناً ، الأكنان : جمع كِنّ، وهو الموضع الذي يستكن فيه٢، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه ظل الجبال.
الثاني : أنه ما فيها من غار أو شَرَف٣.
وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ ، يعني : ثياب القطن والكتان والصوف.
وسرابيل تقيكم بأسكم ، يعني : الدروع التي تقي البأس، وهي : الحرب.
قال الزجاج : كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال٤.
فإن قيل : فكيف قال : وجعل لكم من الجبال أكناناً ، ولم يذكر السهل، وقال : تقكيم الحر ، ولم يذكر البرد ؟
فعن ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه عليه مما هو مختص بهم، قاله عطاء.
الثاني : أنه اكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر، إذ كان معلوماً أن من اتخذ من الجبال أكناناً اتخذ من السهل، والسرابيل التي تقي الحر تقي البرد، قاله الفراء، ومثله قول الشاعر :
| وما أدري إذا يممتُ أرضاً | أريد الخير أيهما يليني٥. |
الثالث : أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ، وذكر الحرَّ دون البرد تحذيراً من حر جهنم وتوقياً لاستحقاقها بالكف عن المعاصي. كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون٦ ، أي : تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم. وقرأ ابن عباس : لعلكم تسلمون ، بفتح التاء، أي : تسلمون من الضرر، فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد، واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل، واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم٧.
٢ ويقي الإنسان من المطر والريح وغير ذلك..
٣ الشرف: المكان العالي..
٤ سقط من ق..
٥ البيت للمثقب العبدي، وبعده قوله:
أ أ لخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني
انظر معجم شواهد العربية للأستاذ عبد السلام هارون (النون المكسورة) وقد استشهد القرطبي بهذين البيتين في هذا الموضع دون أن ينسبهما..
٦ رويت هذه القراءة عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وقراءة العامة بضم التاء أرجح وهي المختارة..
٧ سقط من ق..
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود