ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

طور فتسمعوا مواعظ الله وتبصروا دلائل الله وتعقلوا عظمة الله أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ أي ألم ينظر كفار مكة بأبصارهم إليها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تروا» بالتاء على خطاب العامة مُسَخَّراتٍ أي مذللات للطيران فِي جَوِّ السَّماءِ أي في الهواء المتباعد من الأرض.
قال كعب الأحبار: إن الطير ترتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلا، ولا ترتفع فوق ذلك ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو حين قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن إِلَّا اللَّهُ بقدرته الواسعة فإن جسد الطير ثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فبقاؤه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. إِنَّ فِي ذلِكَ- أي تسخير الطير للطيران بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك فإذا بسطت أجنحتها وأذنابها تخرق ما بين يديها من الهواء- لَآياتٍ أي لعلامات لوحدانية الله تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) أي يصدقون أن إمساكهن من الله تعالى فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره مرة أخرى، وخلق الهواء خلقة رقيقة يسهل الطيران بسبب خرقه، ولولا ذلك لما أمكن الطيران وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ التي تبنونها سَكَناً أي موضعا تسكنون فيه وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً مغايرة لبيوتكم المعهودة هي الخيام تَسْتَخِفُّونَها أي تجدونها خفيفة عليكم في حملها ونقلها ونقضها في أسفاركم، يَوْمَ ظَعْنِكُمْ أي وقت سيركم في أسفاركم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وبفتح العين. وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي وقت نزولكم في الضرب وَمِنْ أَصْوافِها أي الأنعام وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية وَمَتاعاً أي ما ينتفع به في البيت خاصة ويتزين به إِلى حِينٍ (٨٠) أي إلى وقت البلاء
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من غير صنع من جهتكم ظِلالًا أي ما يستظلون به من شدة الحر وهي ظلال الجدران والأشجار والجبال والغمام. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ
أَكْناناً
أي مواضع تستكنون فيها من شدة البرد والحر من الكهوف والغيران والسروب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ أي ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها تَقِيكُمُ الْحَرَّ في الصيف والبرد في الشتاء ولم يذكر الله تعالى وقاية البرد لتقدمه في قوله تعالى فيها دفء وَسَرابِيلَ أي جواشن تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ أي الشدة التي تصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الطعن والضرب والرمي كَذلِكَ أي مثل ما خلق الله هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في الدنيا عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تُسْلِمُونَ (٨١) أي تؤمنون به تعالى وتنقادون لأمره. وقرئ «تسلمون» بفتح التاء واللام، أي لكي تسلموا من الجراحات أو من الشرك فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإسلام وآثروا متابعة الآباء فلا نقص من جهتك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) أي لأن وظيفتك هي البلاغ الواضح فقد فعلته يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يقرون أن هذه النعم كلها من الله ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي لا يشكرونها بالتوحيد لأنهم قالوا: إنما

صفحة رقم 602

حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) أي المنكرون بقلوبهم غير مقرين بأن هذه النعم من الله وَيَوْمَ نَبْعَثُ أي وخوفهم يوم نأتي مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد لهم بالإيمان وعليهم بالكفر وهو نبيها، ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار وفي كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم بالعبادات فلا يقال لهم: ارضوا ربكم بالتوبة لأن الآخرة ليست بدار عمل وإنما هي دار الجزاء وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر الْعَذابَ أي عذاب جهنم بعد شهادة الشهداء فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ذلك العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) أي يمهلون فعذابهم يكون دائما لأن التوبة هناك غير موجودة وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي إذا أبصروا يوم القيامة شُرَكاءَهُمْ أي الأصنام التي يسمونها شركاء الله تعالى قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا أي آلهتنا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا أي نعبدهم مِنْ دُونِكَ أي هؤلاء الذين كنا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) أي فبادر شركاؤهم بالجواب إلى المشركين بقولهم: إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة وإنكم عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم.
والمعنى أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي أسرع المشركون إلى الله يومئذ الانقياد لحكم الله فأقروا بالبراءة عن الشركاء وبربوبية الله بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عنه لما عجزوا عن الجواب لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) أي ذهب عنهم افتراؤهم على الله من أن لله شريكا وبطل أملهم من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا في أنفسهم وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا الناس عن الدخول في الإسلام وحملوهم على الكفر زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ أي بحيات وعقارب، وجوع وعطش، وزمهرير وغير ذلك فيخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) بذلك الصد وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أعضاؤهم. فالله تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى إنها تشهد عليه وهي العينان والأذنان، والرجلان، واليدان، والجلد واللسان وَجِئْنا بِكَ يا سيد الرسل شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي الأمم كلهم وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين ينص فيه على بعضها وبإحالته لبعضها على السنّة أو على الإجماع، أو على القياس فكانت السنّة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب وَهُدىً وَرَحْمَةً للعالمين فإن حرمان الكفرة من مغانم آثار الكتاب من تفريطهم لا من جهة الكتاب وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) خاصة لأنهم المنتفعون بذلك إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي بالتوسط في الأمور وهو رأس الفضائل كلها فيندرج تحته فضيلة القوة العقلية، فالحكمة

صفحة رقم 603

متوسطة بين الحرمزة والبلادة، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية، فالعفة متوسطة بين الخلاعة والخمود وفضيلة القوة الغضبية السبعية فالشجاعة متوسطة بين التهور والجبن ويندرج فيه أيضا الحكم الاعتقادية، فالتوحيد متوسط بين التعطيل والتشريك، فنفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك. والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول: لا إله إلا الله، والقول بالكسب متوسط بين الجبر والقدر فإن القول: بأن العبد ليس له قدرة واختيار جبر محض.
والقول: بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض. والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه، والقول: بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول: بأنه تعالى يخلد في النار عبده الآتي بالمعصية الواحدة تشديد عظيم والعدل هو القول بأنه تعالى يخرج من النار كل من اعتقد أنه لا إله إلا الله ويندرج تحته أيضا الحكم العملية، فالتعبد بأداء الواجبات متوسط بين البطالة والترهب. والختان: مأمور به في شريعتنا، فإن إبقاء الجلدة مبالغة في تقوية اللذة والإخصاء وقطع الآلات كما عليه المانوية إفراط، فكانت الشريعة إنما أمرت بالختان سعيا في تقليل تلك اللذة حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال، لئلا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع ويندرج تحته أيضا الحكم الخلقية، فالجود متوسط بين البخل والتبذير وشريعة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وسط بين التشديد والتساهل قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] أي متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور. ولما بالغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في العبادات قال تعالى: طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ١] ولما أخذ قوم في المساهلة قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] والمطلوب رعاية العدل بين طرفي الإفراط والتفريط وَالْإِحْسانِ أي المبالغة في أداء الطاعات إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل، وإما بحسب الكيفية كالاستغراق في شهود مقامات الربوبية.
والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب والإحسان عبارة عن الزيادة في ذلك وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم»
«١» وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي المعاصي كلها وَالْمُنْكَرِ وهو ما لا يعرف في شريعة وَالْبَغْيِ أي الاستعلاء على الناس والترفع.
والحاصل أن الفحشاء هي الإفراط في متابعة القوة الشهوية، فهي إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، وأن المنكر هو الإفراط في إظهار آثار القوة الغضبية

(١) رواه ابن حبان في المجروحين (٣: ١٤٩)، وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (٢٥٣).

صفحة رقم 604

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية