ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ، متعلق بنقضت، أي : نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامه فجعلته أنكاثا ، جمع نكث، وهو ما ينكث قتله، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر ابن أبي حفص قال : كانت سعيدة الأسدية، مجنونة تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية، وقال البغوي : قال الكلبي ومقاتل : هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها : ربطة بنت عمر بن سعد بن كعب بن زيد بن مناة بن تميم، وتلقب بجعر، وكانت بها وسوسة، فكانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع أو صنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيم على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف والوبر والشعر، وتأمر جواريها بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار تنقض جميع ما غزلن، فهذا كان دأبها، ومعنى الآية : لا تكونوا كما كانت، أنها لم تكف عن العمل وبعدما عملت لم تكف عن النقض، فأنتم إما أن لا تعهدوا، وإما ألا توفوا إذا عاهدتم، ولا تكونوا إن تعاهدوا كل مرة فتنقضوا العهود كلما عاهدتم، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، حال من الضمير في لا تكونوا، أو في الجار والمجرور الواقع موقع الخبر، أي : لا تكونوا مشبهين بامرأة هذا شأنها، متخذي إيمانكم مفسدة ودغلا وخديعة وخيانة بينكم، وأصل الدخل، ما يدخل في الشيء ولم يكن منه لأجل الفساد، وقيل : الدخل والدغل، أن يظهر الوفاء ويبطن النقض، { أن تكون ، أي : لأن تكون أمة ، أي : جماعة، هي أربى ، يعني : هي أكثر عددا وأوفر مالا، من أمة أخرى، قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء، وإذا رأوا قوما أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا أعدائهم الأكثرين، فمعناه : طلبتم العز بنقض العهد من الضعفاء والعهد من الأقوياء، ولا ينبغي ذلك، أو المعنى : تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، تكون أمة أنتم فيه، أربى من أمة ، عاهدتم منهم فما باليتم بنقض العهد، كما أن قريشا عاهدوا المؤمنين عام الحديبية على وضع الحرب بينهم عشر سنين، ثم نقضوا العهد بعد سنتين لما رأوا جماعة قريش أزيد عددا وأوفر مالا من جماعة المؤمنين، هي أربا، مبتدأ، أو خبر في موضع الرفع صفة لأمة، وأمة فاعل تكون، وهي تامة وهي ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين. إنما يبلوكم الله به ، الضمير لأن تكون أمة، يعني : يختبركم الله بكون أمة أربى من أمة، فينظر هل تمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تنقضون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم، وقيل : الضمير للربو، والمعنى قريب مما ذكر، قيل : للأمر بالوفاء، يعني : يختبركم الله بأمره بالوفاء بالعهد، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون٩٢ ، في الدنيا إذا جازاكم على أعمالكم، فيظهر الذين وفوا عهودهم بالثواب، والذين نقضوا أيمانهم بالعذاب.
التفسير المظهري
المظهري