توكيدها؛ فرقًا بين الأيمان المؤكدة بالعزم والعقد، وبين لغو اليمين (١).
قال أبو إسحاق: يقال: وَكَّدتُ وأَكَّدْتُ لغتان جيدتان، والأصل الواوُ والهمزة بدل منها (٢).
وقوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا هذه واو الحال؛ أي لا تنقضوها، وقد جعلتم الله كفيلًا عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه أكفل الله تعالى بالوفاء بما حلف عليه (٣)، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء (٤).
٩٢ - قوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا الآية. قال ابن عباس: هي امرأة من قريش كان لها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه (٥)، وقال الكلبي: كان يقال لها: رايطة، وقيل: رَيْطة (٦)،
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٧، بنصه.
(٣) نقله الفخر الرازي بنصه تقريبًا بدون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٠٨.
(٤) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٣، بنصه.
(٥) ورد بنحوه بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" ٨/ ٥٠٠، و"التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن للسهيلي" ص ١٧٢، وعُزِي للمهدوي في "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي ٢/ ١١٥، بنحوه، وعُزِي للسدي في "مُفْحِماتُ الأقران" ص ٩٧، مختصرًا.
(٦) قال ابن الأنباري: واسمها ريطة بنت عمرو المريّة "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٨٥، وفي "تفسير أبي حيان" ٥/ ٥٣١ أنها بنت سعد بن تيم، وفي "المبهمات في القرآن" للبلنسي ٢/ ١١٥: أنها بنت سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، ولم يظهر لي إن كانت صحابية أم لا، ولم يتبين لي إن كانت هي رَيْطَة أو رائطة بنت الحارث بن جُبيلة بن سعد بن تيم بن مرة القرشية، وقد ذكرت -دون الإشارة إلى قصة الغزل- في "الاستيعاب" ٤/ ٤٠٤، و"أسد الغابة" ٧/ ١٠٥، و"الإصابة" ٤/ ٢٩٩.
وتُلَقَّب جعر (١)، وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها، فإذا غزلت وأبرمت أمرتهنَّ فنقضنَ ما غزلن (٢).
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ قال مجاهد: من بعد إمرارٍ (٣) وفتلٍ (٤)،
(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٣٩، والخازن ٣/ ١٣٣، و"تفسير الألوسي" ١٤/ ٢٢١، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٦ ب، و"معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١٣، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٠٢، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٤٢١، والزمخشري ٢/ ٣٤٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٥، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٧١ وسواءً تعينت هذه المرأة -كما في رواية الكلبي- أم لم تتعين -كما في رواية ابن عباس-، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمقصود من الآية تشبيه الناقضين للعهود مع الله تعالى أو مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو مع خلقه بهذه الحالة العجيبة التي يستنكرها العقلاء، تنفيرًا لهم من هذا الخلق الذميم والفعل الشنيع.
(٣) في (ش)، (ع): (إبرام)، وكلاهما صحيح؛ لأن معناهما واحد، ففي اللغة: المِرَّة: شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَرِير: الحبل المفْتُول، أمْرَرْتُه إمْرَارًا وفَتَلَ الحبلَ فتْلاً: لواهُ وبَرَمَهُ، والبرمة: اسم من إبرام الحبل، وبرمتُ الحبلَ وأبرمْتُه، والمِبْرَمُ: شيءٌ كالمِغزَلِ. انظر: "المحيط في اللغة" (مر) ١٠/ ٢١٨، (برم) ١٠/ ٢٤٢، و"المعجم الوسيط" ٢/ ٦٧٣.
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٤٢٤، بنحوه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٦، بنحوه من طريقين، وانظر: "تفسير ابن عطية" ٨/ ٥٠١، وأبي حيان ٥/ ٥٣١.
يعني من بعد قوة للغزل؛ بإمرارها (١) وفَتْلِها.
وقوله تعالى: أَنْكَاثًا قال: واحدها نِكْث، وهو الغَزْل من الصوف والشَّعَر؛ يُبْرَم ويُنْسَج، فإذا أَخْلَقَت النَّسِيْجَة، قُطِّعَتْ ونُكِثَتْ خُيوطُها المُبْرمة وخُلِطَت بالصوفِ ومِيشتْ (٢)، ثم غُزِل ثانية، والنَّكْثُ المصدر، ومن هذا قيل: نَكَث فلانٌ عهدَه إذا نقضه بعد إحكامه؛ كما يُنْكَث خيطُ الصوف بعد إبرامه (٣)، وأنشد أبو عبيدة (٤) للمُسَيَّب بن عَلَس (٥):
| عن غَيرِ مَقْلِيَةٍ وأنَّ حِبَالَها | لَيْسَتْ بأنكاث ولا أقطاع (٦) |
(٢) في (ش)، (ع): (ونُفِشت)، ومعنى (المَيْشُ): خَلْطُ الصُّوفِ والشَّعَرِ. "المحيط في اللغة" (ميش) ٧/ ٤٠٠.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (نكث) ٤/ ٣٦٥٨، بنحوه، وانظر: (نكث) في "اللسان" ٨/ ٤٥٣٦، و"التاج" ٣/ ٢٧٣.
(٤) في جميع النسخ: أبو عبيد، والصحيح المثبت.
(٥) زهير بن عَلَس، ولقبه المسيَّب، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته، وهو جاهلي ولم يدرك الإسلام، عدَّه الجمحي في الطبقة السابعة من فحول شعراء الجاهية، وكان من المُقِلِّين. انظر: "طبقات فحول الشعراء" ١/ ٢١، و"الشعر والشعراء" ص٩٥، و"شرح اختيار المفضل" ١/ ٣٠٢، و"الخزانة" ٣/ ٢٤٠.
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ٣٦٧، وورد برواية: (بأرْمامٍ) بدل (بأنكاث)، في "المفضليات" ص٦١، و"أمالي القالي" ٣/ ١٣٠، و"شرح اختيارات المفضل" ١/ ٣٠٤، وفي كل المصادر -ما عدا- الأمالي: (من) بدل (عن)، (المقلية): البغض، (حبالها): ما احتلبته من مودة، حبلٌ أرمام، وحبلٌ أقطاع: إذا كان قِطعًا مُوَصَّلة. والشاعر. يخاطب نفسه معاتبًا إياها على الرحيل من أرض سلمى وديارها ولمّا يستمتع بما أو يرى منها مكروها، ويواصل عتابه في هذا البيت قائلاً: أثرت ذلك، وهَوَى النفس كما كان لم يتسلَّط عليه تحيُّفٌ، وحبل الوصل برْمته لم يَضعُف.
قال أبو إسحاق: أَنْكَاثًا منصوب؛ لأنه بمعنى المصدر؛ لأن معنى: نكثت نَقَضْتُ، ومعنى نقضت: نكثت (١)، وهذا غلط منه لأن الأنكاث جمع نكث، وهو (٢) اسم لا مصدر، فكيف يكون الأنكاث بمعنى المصدر، ولو كان (٣) نكثًا لصح ما قال، ولكن أنكاثًا مفعول ثانٍ، كما تقول: كسره أقطاعًا، وفرقه أجزاءً على معنى جعله أقطاعًا وأجزاءً (٤)، وهاهنا تم الكلام، والآية متصلة بما قبلها، والمعنى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا فتكونوا إن فعلتم كامرأة غزلت غزلًا وقَوَّتْ مِرَّتَهُ فلما اسْتَحْكَم نقضته فجعلته أنكاثًا، وهذا كلام [ابن] (٥) قتيبة (٦)، ثم قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ الدَّخَلُ والدَّغَلُ: الغِش والخيانة (٧)، قال الليث: ويخفف الدَّخل ويُثَقَّل (٨)، قال الفراء: يعني دَغَلًا وخديعة (٩).
(وقال الزجاج: أي غِشًّا وغِلاًّ، وكل ما دخله عيب قيل: هو مَدْخُول، وفيه دَخَل، قال: و دَخَلًا منصوب) (١٠)؛ لأنه مفعول له،
(٢) في (د): (وهم).
(٣) (كان) ساقطة من (د).
(٤) نقله الفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، وعزاه للواحدي.
(٥) ساقطة من جميع النسخ.
(٦) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٨٦، بنصه تقريبًا.
(٧) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢١، بنحوه، ونقله الفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، بنصه وعزاه للواحدي. وانظر: (دخل) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١١٥٩، و"الصحاح" ٤/ ١٦٩٦، و"اللسان" / ١٣٤٢.
(٨) ورد في "تهذيب اللغة" (دخل) ٢/ ١١٥٩، بنحوه.
(٩) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.
(١٠) ما بين القوسين ساقط من (د).
والمعنى: تتخذون أيمانكم للغش والدَّغَل (١)، قال غيره: الدَّخَل: ما أُدْخِل في الشيء على فساد (٢).
وقوله تعالى: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ، أَرْبَى: أي أكثر، من رَبَا الشيءُ يَرْبُو إذا كثر (٣)، قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنُهوا عن ذلك (٤)، والمعنى: بأن يكون أو لأن يكون، فموضع (أن) نصب بإسقاط الخافض، على قول من نصب، (ومن أبقى حُكْمَ الخافض) (٥) قال موضعه خفض، قال ابن قتيبة: أي لأن يكون قوم أغنى من قوم، وقوم أعلى من قوم، تريدون أن تقْتَطِعوا بأيمانكم حقوقًا لهؤلاء، (فتجعلوها لهؤلاء) (٦)، وقال الفراء: معناه لا تغدروا بقوم لقلّتهم وكثرتكم أو قِلّتكم
(٢) ورد في "تفسير الطوسي" ٦/ ٤٢١، بنصه، وقال: وإنما قيل: الدخل؛ لأنه داخل القلب على ترك الوفاء، والظاهر على الوفاء.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (ربا) ٢/ ١٣٣٤، و"المحيط في اللغة" (ربو) ٣/ ١٥٤٥، و"اللسان" (ربا).
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٣٥١، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٦٧ بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٠٣، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤٨، بنحوه، وهود الهواري ٢/ ٣٨٥، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢٢، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٤٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٦، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠٩، وابن كثير ٢/ ٦٤٤، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٤٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) ما بين التنصيص ساقط من (ش)، (ع).
(٦) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٨٦، بنصه، وما بين التنصيص مصوَّبٌ من المصدر، وفي النسخ: (فتجعلونها كهؤلاء).
وكثرتهم، وقد غَرَّرتموهم بالأيمان فسكَنُوا إليها (١).
وبيان هذه الجملة: أن القوم إذا عاهدوا قومًا أكثر من الذين عاهدوا فهم أمة أربى من أمة، لا يجوز لهم أن يغدروا، وكذلك إن كان على القلب من هذا (٢) وعاهدوهم؛ دخلوا في حلفهم خوفًا منهم لم يجز لهم الغدر، وتلخيص التأويل: النهي عن أن يحلف على ما هو منطوٍ على خلافه وأن يغر غيره بيمينه.
وقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ ظاهره إخبار ومعناه النهي، والتقدير: لا تكونوا كتلك المرأة؛ متخذين أيمانكم للغش، بأن يكون قوم أكثر من قوم، قال الفراء: وموضع أَرْبَى نصب، وإن شئت رفعت؛ كما تقول: أظن رجلًا يكون هو أفضل منك، و (أفضل) النصبُ على العِمَاد (٣)، والرفع على أن تجعل (هو) اسمًا (٤)، قال الزجاج: موضع أَرْبَى رفعٌ ولا يجوز أن تكون نصبًا وهي تكون عمادًا؛ لأن العماد والفصل لا يكون مع النكرات وإنما يكون مع المعارف، كقوله: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا [المزمل: ٢٠]، والهاء في تجدوه معرفة، و أُمَّةٌ هاهنا نكرة (٥).
(٢) أي على العكس من الحالة الأولى؛ بأن كانوا هم الأكثر والأقوى.
(٣) العماد تَسْمِيةٌ كوفية لضمير الفصل، سمي بذلك لأنه يُعتمد عليه في التفرقة بين النعت والخبر؛ حيث يأتي ليبين أن ما بعد المبتدأ هو الخبر لا التابع، وله شروط. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" ٢/ ٨٣، و"الدر المصون" ٧/ ٢٨٢، و"معجم القواعد العربية" للدّقر ص٢٩٤، و"المعجم المفصل في النحو العربي" ٢/ ٦٩٦، و"معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ص ١٧٣.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.
(٥) ليس في معانيه، وورد في "تفسير الطوسي" ٦/ ٤٢١، بنحوه.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي