ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض، فقال : وَلاَ تَكُونُوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا أي لا تكونوا فيما تصنعون من النقض، بعد التوكيد كالتي نقضت غزلها، أي : ما غزلته مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أي : من بعد إبرام الغزل وإحكامه، وهو متعلق ب نقضت أنكاثا جمع نكث بكسر النون، ما ينكث فتله. قال الزجاج : انتصب أنكاثاً على المصدر، لأن معنى نقضت : نكثت ؛ وردّ بأن أنكاثاً ليس بمصدر، وإنما هو جمع كما ذكرنا. وقال الواحدي : هو منصوب على أنه مفعول ثانٍ كما تقول كسرته أقطاعاً وأجزاء، أي : جعلته أقطاعاً وأجزاء. ويحتمل أن يكون حالاً. قال ابن قتيبة : هذه الآية متعلقة بما قبلها، والتقدير : وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأَيمان، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً، وجملة تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ في محل نصب على الحال. قال الجوهري : والدخل : المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة : كلّ أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وقيل : الدخل ما أدخل في الشيء على فساده. وقال الزجاج : غشاً وغلاً أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ أي : بأن تكون جماعة هي أربى من جماعة، أي : أكثر عدداً منها وأوفر مالاً. يقال : ربا الشيء يربو إذا كثر، قال الفراء : المعنى : لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو لقلتكم وكثرتهم، وقد عزرتموهم بالأَيمان. قيل : وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم، نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. وقيل : هو تحذير للمؤمنين أن يغترّوا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ أي : يختبركم بكونكم أكثر وأوفر، لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء، أم تنقضون اغتراراً بالكثرة ؟ فالضمير في به راجع إلى مضمون جملة : أن تكون أمة هي أربى من أمة أي : إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة، ليعلم ما تصنعون، أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم. وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فيوضح الحق والمحقين، ويرفع درجاتهم، ويبين الباطل والمبطلين، فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه. وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل. أو يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وإنما خصّ أحسن أعمالهم ؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة ؛ وقيل : المعنى : ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، كقوله : مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [ الأنعام : ١٦٠ ]، أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأعلى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل. قرأ عاصم وابن كثير لنجزين بالنون. وقرأ الباقون بالياء التحتية.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم قال : أنزلت هذه الآية في بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنّ من أسلم بايع على الإسلام، فقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله الآية، فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَلاَ تَنقُضُوا الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا يقول : بعد تغليظها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية وَلاَ تَكُونُوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله. وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدّي في سبب نزول الآية، قال : كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ قال : ناس أكثر من ناس. وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنهوا عن ذلك.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية