ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

و أنكاثًا : حال من الغزل، وهو : جمع نِكْث - بالكسر - بمعنى : منكوث، أي : منقوض. و أن تكون : مفعول من أجله، و تتخذون : جملة حالية من ضمير " تكونوا ".
ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غزلها : أفسدته، من بعد قوة ، أي : إبرام وإحكام ؛ أنكاثًا ، أي : طاقات، أي : صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد : تشبيه الناقض بمَن هذا شأنه، وقيل : هي " ريطة بنت سعد القرشية " ؛ فإنها كانت خرقاء - أي : حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يُوف، أو حلف ولم يَبر في يمينه. تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، أي : لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل : ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال : فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة.
تفعلون ذلك النقض ؛ لأجل أن تكون أُمةٌ هي أربى من أمةٍ : بأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية ؛ لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل : الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش ؛ إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش.
إنما يبلوكم : يختبركم اللهُ به ؛ بما أمر من الوفاء بالعهد ؛ لينظر المطيع منكم والعاصي. أو : بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تَغْتَرُّونَ بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم ؟ وليُبَيننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ، في الدنيا ؛ حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين : فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : ٢٩ ]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون ؛ فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك ؛ إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال ؛ لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير