ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

تفسير المفردات : والغزل : ما غزل من صوف ونحوه. والقوة : الإبرام والإحكام. والأنكاث : واحدها نكث، وهو ما ينكث فتله، وينقض بعد غزله. والدخل : المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل، ويراد به : أن يظهر المرء الوفاء بالعهد ويبطن النقض. أربى : أي : أكثر وأوفر عددا.
المعنى الجملي : بعد أن بالغ سبحانه في الوعد للمتقين والوعيد للكافرين، وعاد وكرر في الترغيب والترهيب إلى أقصى الغاية، أردف ذلك ذكر هذه الأوامر التي جمعت فضائل الأخلاق والآداب، وضروب التكاليف التي رسمها الدين وحث عليها، لما فيها من إصلاح حال النفوس، وصلاح حال الأمم والشعوب، ثم ضرب الأمثال لمن يحيد عنها وينفر من فعلها.
ثم أبان أن أمر الهداية والإضلال بيده، وأنه قد قدره بحسب استعداد النفوس للصلاح والغواية، وأنه سيجازي يوم القيامة كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم، إنه سريع الحساب.
أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :" أعظم آية في كتاب الله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ البقرة : ٢٥٥ ]، وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ٢ ويرزقه من حيث لا يحتسب [ الطلاق : ٢ -٣ ]، وأشد آية في كتاب الله رجاء : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [ الزمر : ٥٣ ] " وعن عكرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية، فقال له : يا ابن أخي أعد عليّ، فأعادها عليه، فقال له الوليد : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية، ثم قال : إن الله عزّ وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه وأمر به، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه وزجر عنه.
قال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة، عن علي بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، قال :" بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا، لم تكن لتخفّ إليه، قال فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أما من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله، قال ثم تلا عليهم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية. قالوا : ردّد علينا القول فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه، فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا.
وقال سعيد بن جبير، عن قتادة في قوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية، ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.
الإيضاح : ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض مع ضرب المثل فقال : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، أي : ولا تكونوا أيها القوم في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها، وإعطائكم ربكم العهود والمواثيق كمن تنقض غزلها بعد إبرامه، وتنفشه بعد أن جعلته طاقات، حماقة منها وجهلا.
قال السّدّي : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت غزلا نقضته بعد إبرامه.
والخلاصة : إنه تعالى شبه حال الناقض للعهد بحال من تنقض غزلها بعد فتله وإبرامه، تحذيرا للمخاطبين، وتنبيها إلى أن هذا ليس من فعل العقلاء، وصاحبه في زمرة الحمق من النساء.
تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ، أي : تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم – خديعة وغرورا ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد، والنقلة إلى غيرهم من أجل أنهم أكثر عددا وأعز نفرا، بل عليكم بالوفاء بالعهود والمحافظة عليها في كل حال.
قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز نفرا، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز نفرا، فنهوا عن ذلك، وقيل : هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم، فينقضوا بيعة النبي صلى الله عليه وسلم.
إنما يبلوكم الله به ، أي : إنما يعاملكم الله معاملة المختبر، بأمره إياكم بالوفاء بعهده إذا عاهدتم، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهده وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب ظهر الحال ؟
ثم أنذر وحذر من خالف الحق وركن إلى الباطل فقال : وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ، أي : وليبيننّ لكم ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه، لمجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته – ما كنتم تختلفون فيه من إقرار المؤمن بوحدانية ربه، ونبوة نبيه، والوحي إلى أنبيائه، والكافر بكذبه بذلك كله.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير