ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

قوله : واصبر نَفْسَكَ أي : احبسها وثبتها قال أبو ذؤيب :[ الكامل ]

٣٥٠٧ب- فَصَبرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلِكَ حُرَّة تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبانِ تَطلَّعُ(١)
وقوله :" بالغَداةِ " تقدَّم الكلام عليها في الأنعام(٢).

فصل في نزول الآية


نزلت في عيينة بن حصن الفزاريِّ، أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وعنده جماعةٌ من الفقراءِ فيهم سلمان، وعليه شملةٌ قد عرق فيها، وبيده خوصةٌ يشقها، ثم ينسجها ؛ فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم : أما يؤذيكَ ريحُ هؤلاء ؟ ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا، أسلم الناس، وما يمنعنا من اتِّباعِكَ إلاَّ هؤلاء، حتى نتبعك، واجعل لنا مجلساً، ولهم مجلساً، فأنزل الله تعالى : واصبر نَفْسَكَ ، أي : احبسْ يا محمد نفسك مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي طرفي النَّهار، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي : يريدون الله، لا يريدون به عرضاً من الدنيا.
وقال قتادة : نزلت في أصحاب الصُّفة، وكانوا سبعمائة رجلٍ فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع، يصلُّون صلاة، وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" الحمد لله الذي جعل في أمَّتي من أمرتُ أن أصبر نفسي معهم ". وهذه القصة منقطعة عما قبلها، وكلامٌ مفيدٌ مستقلٌّ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي [ الأنعام : ٥٢ ] ففي تلك الآية نهى الرسول - عليه السلام - عن طردهم، وفي هذه الآية أمرهُ بمجالستهم والمصابرة معهم.

فصل في قراءات الآية


قرأ ابن عامر بالغداة والعشيّ، بضمِّ الغين، والباقون بالغَداة، وهما لغتان، فقيل : المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كلِّ الأوقاتِ كقول القائل(٣) : ليس لفلانٍ عمل بالغداة والعشيِّ إلاَّ شتم الناس، وقيل : المراد صلاة الفجر والعصر.
وقيل : المراد الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النَّوم إلى اليقظة، ومن اليقظة إلى النَّوم.
قوله : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فيه وجهان :
أحدهما : أن مفعوله محذوف، تقديره : ولا تعد عيناك النظر.
والثاني : أنه ضمِّن معنى ما يتعدَّى ب " عَنْ " قال الزمخشريُّ :" يقال : عدَّاه، أي : جاوزه فإنما عدِّي ب " عَنْ " لتضمين " عَدا " معنى نبا وعلا في قولك : نَبتْ عنه عينه، وعلتْ عنه عينه، إذا اقتحمته، ولم تعلق به، فإن قيل : أي غرضٍ في هذا التضمين ؟ وهلاَّ قيل : ولا تعدهم عيناك، أو : ولا تعل عيناك عنهم ؟ فالجواب : الغرض منه إعطاءُ مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى [ فذٍّ ] ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك : ولا تقتحمهم عيناك متجاوزتين إلى غيرهم، ونحوه
وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ [ النساء : ٢ ]، أي : لا تضمُّوها إليها آكلين لها ".
وردَّه أبو حيان : بأنَّ مذهب البصريين أن التضمين لا ينقاس، وإنما يصار إليه عند الضرورة، فإذا أمكن الخروج عنه، فلا يصار إليه.
وقرأ(٤) الحسن " ولا تُعدِ عَينَيْكَ " من أعدى رباعيًّا، وقرأ هو، وعيسى، والأعمش " ولا تُعدِّ " بالتشديد، من عدَّى يعدِّي مضعفاً، عدَّاه في الأولى بالهمزة، وفي الثانية بالتثقيل ؛ كقول النابغة :[ البسيط ]
فَعدِّ عَمَّا تَرَى إذْ لا ارتِجاعَ لهُ وانْمِ القُتودَ على عَيْرانةٍ أجُدِ(٥)
كذا قال الزمخشري، وأبو الفضل، وردَّ عليهما أبو حيان : بأنه لو كان تعدِّيه في هاتين القراءتين بالهمزة، أو التضعيف، لتعدَّى لاثنين ؛ لأنه قبل ذلك متعد لواحد بنفسه، وقد أقرَّ الزمخشري بذلك ؛ حيث قال :" يقال : عداهُ إذا جاوزه، وإنَّما عدِّي ب " عن " لتضمنه معنى علا، ونبا " فحينئذٍ يكون " أفْعلَ " و " فعَّل " ممَّا وافقا المجرَّد وهو اعتراضٌ حسنٌ.

فصل


يقال : عدَّاه، إذا جاوزه، ومنه قولهم : عدا طورهُ، وجاءني القومُ عدا زيداً ؛ لأنَّها تفيد المباعدة، فكأنَّه تعالى نهى نبيَّه عن مباعدتهم، والمعنى : لا تزدري فقراء المؤمنين، ولا تثني عينيك عنهم ؛ لأجل مجالسة الأغنياء.
ثم قال :" تُريدُ " جملة حالية، ويجوز أن يكون فاعل " تريدُ " المخاطب، أي : تريد أنت، ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وحِّد ؛ لأنهما متلازمان يجوز أن يخبرَ عنهما خبر الواحد، ومنه قول امرئ القيس :[ الهزج ]
لِمَنْ زُحلوفَةٌ زُلُّ بِهَا العَيْنانِ تَنهَلُّ(٦)
وقول الآخر :[ الكامل ]
وكَأنَّ في العَيْنينِ حبَّ قَرنْفُلٍ أو سُنْبُلاً كُحلَتْ بِهِ فانهَلَّتِ(٧)
وفيه غير ذلك، ونسبة الإرادة إلى العينين مجازٌ، وقال الزمخشري :" الجملة في موضع الحال " قال أبو حيان :" وصاحبُ الحال، إن قدِّر " عَيْناكَ " فكان يكون التركيبُ : يريدان ". قال شهاب الدين : غفل عن القاعدة المتقدِّمة : من أنَّ الشيئين المتلازمين يجوز أن يخبر عنهما إخبار الواحد، ثم قال :" وإن قدَّر الكاف، فمجيءُ الحال من المجرورِ بالإضافة نحو هذا فيه إشكالٌ ؛ لاختلاف العامل في الحال، وذي الحال، وقد أجاز ذلك بعضهم، إذا كان المضاف جزءاً أو كالجزءِ، وحسَّن ذلك أنَّ المقصود هو نهيه - عليه الصلاة والسلام - وإنما جيء بقوله " عَيْناكَ " والمقصود هو ؛ لأنَّهما بهما تكونُ المراعاة للشخص والتلفُّتُ له ".
قال شهاب الدين : وقد ظهر لي وجهٌ حسنٌ، لم أر غيري ذكره : وهو أن يكون " تَعْدُ " مسنداً لضمير المخاطب صلى الله عليه وسلم، و " عَيْناكَ " بدل من الضمير، بدل بعض من كل، و " تُرِيدُ " على وجهيها من كونها حالاً من " عَيْناكَ " أو من الضمير في " تَعْدُ " إلا أن في جعلها حالاً من الضمير في " ولا تعدُ " ضعفاً ؛ من حيث إنَّ مراعاة المبدل منه بعد ذكر البدل قليلٌ جدًّا، تقول :" الجاريةُ حسنها فاتنٌ " ولا يجوز " فَاتِنةٌ " إلاَّ قليلاً، كقوله :
٣٥١١أ- فَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّراة كأنَّهُ مَا حَاجِبَيْهِ مُعيَّنٌ بِسوَادِ(٨)
فقال :" مُعيَّنٌ " مراعاة للهاء في " كَأنَّه " وكان الفصيحُ أن يقول :" مُعيَّنانِ " مراعاة لحاجبيه الذي هو البدل.

فصل


تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ، أي : تطلب مجالسة الأغنياء، والأشراف، وصحبة أهل الدنيا، ولما جاء أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى قول الأغنياء والمتكبرين، فقال : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا يعني عيينة بن حصين(٩)، وقيل : أميَّة بن خلف، واتبع هَوَاهُ في طلب الشَّهوات وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قال قتادة ومجاهد : ضياعاً(١٠).
وقيل : ندماً، وقال مقاتلٌ : سرفاً.
وقال الفراء : متروكاً.
وقيل : باطلاً.
وقال الأخفش : مجاوزاً للحدِّ.
قوله :" أغْفَلنَا قَلبَهُ " العامة على إسناد الفعل ل " نا " و " قلبهُ " مفعول به.
وقرأ عمرو(١١) بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى الأسواري بفتح اللام، ورفع " قَلبهُ " أسندوا الإغفال إلى القلب، وفيه أوجهٌ، قال ابن جنِّي : من ظنَّنا غافلين عنه. وقال الزمخشريُّ :" من حَسِبنَا قلبُه غافلينَ، من أغفلته، إذا وجدته غافلاً ". وقال أبو البقاء(١٢) : فيه وجهان :
أحدهما : وجدنا قلبه معرضين عنه.
والثاني : أهمل أمرنا عن تذكُّرنا.
قوله :" فرطاً " يحتمل أن يكون وصفاً على " فعل " كقولهم :" فَرسٌ فرط "، أي : متقدِّمٌ على الخيل، وكذلك هذا، أي : متقدِّماً للحقِّ، وأن يكون مصدراً بمعنى التفريط، أو الإفراط، قال ابن عطيَّة : الفرط : يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتَّضييع، أي : أمرهُ الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف.
قال الليث : الفرط : الأمرُ الذي يفرط فيه، يقال : كلُّ أمر فلانٍ فرطٌ، وأنشد :[ الهزج ]
٣٥١١ب- لَقدْ كَلَّفْتنِي شَطَطَا وأمْراً خائباً فُرُطا(١٣)

فصل


دلَّت هذه الآية على أَنّه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهَّال.
قالت المعتزلة(١٤) : المراد بقوله : أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا : وجدنا قلبه غافلاً، وليس المراد منه : خلق الغفلة.
ويدلُّ عليه ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيديِّ أنَّه قال لبني سليم :" قَاتَلنَاكُمْ فَما أجَبْنَاكُمْ، وسَألناكُمْ فَما أبْخَلْناكُمْ، وهَجرْنَاكُمْ فمَا أفْحَمناكُمْ " أي ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين.
وحمل اللفظ على هذا المعنى أولى ؛ لوجوه :
الأول : لو كان كذلك، لما استحقُّوا الذمَّ.
الثاني : أنه قال بعد هذه الآية فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه، لما صحَّ ذلك.
الثالث : أنه لو خلق الغفلة في قلبه، لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، فاتبع هواهُ ؛ لأن على هذا التقدير : يكون ذلك من أفعالِ المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاءِ، لا بالواو، يقال : كسرتهُ، فانكسر، ودفعته فاندفع، ولا يقال : وانكسر، واندفع.
الرابع : قوله : واتبع هَوَاهُ فلو أغفل قلبهم في الحقيقة، لم يجز أن يضاف ذلك إلى واتبع هَوَاهُ .
والجواب عن الأول من وجهين :
الأول : أن الاشتراك خلاف الأصل، فوجب أن يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، وجعله حقيقة في التكوين، مجازاً في الوجدان أولى من العكس ؛ لوجوه :
أحدها : مجيءُ بناءِ الأفعال بمعنى التَّكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان، والكثرة دليلٌ على الرُّجحان.
وثانيها : أن مبادرة الفهم من هذا البناءِ إلى التَّكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان، ومبادرة الفهم دليل الرجحان.
وثالثها : إنَّ جَعْلَنا إيَّاه حقيقة في التكوين أمكن من جعله مجازاً عن الوجدان ؛ لأنَّ العلم بالشيء تابعٌ لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوعِ مجازاً في التَّبع موافقٌ للمعقول، أمَّا لو جعلناه حقيقة في الوجدان، مجازاً في الإيجاد، لزم جعله حقيقة في التَّبع مجازاً في الأصل، وهو عكسُ المعقول.
والوجه الثاني من الجواب : سلَّمنا كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان، إلاَّ أنَّا نقول : يجب حمل قوله :" أغْفَلْنَا " على إيجاد الغفلة ؛ لأنَّ الدليل دلَّ على أنَّه يمتنع كون العبدُ موجداً للغفلة في نفسه ؛ لأنَّه إذا حاول إيجاد الغفلة، فإمَّا أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة، أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معيَّن، والأول باطلٌ، وإلاَّ لم يكن حصول الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن يحصل له الغفلة عن شيءٍ آخر ؛ لأنَّ الطبيعة المشتركة فيها بين الأنواعِ الكثيرةِ تكون نسبتها إلى كلِّ تلك [ الأنواع ](١٥) على السويَّة.
والثاني أيضاً باطلٌ ؛ لأنَّ الغفلة عبارةٌ عن غفلة لا تمتاز عن سائر الأقسام، إلاَّ بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعيَّن بعينه، فعلى هذا : لا يمكن أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا، إلاَّ إذا تصوَّر العلم أن كون تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصوَّر تلك الغفلة غفلة عن كذا إلاَّ إذا ت
١ البيت هكذا في أ:
فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع
ونسبه كما ترى لأبي ذؤيب بل هو لعنترة ينظر كما تقدم تخريجه في سورة هود..

٢ تقدم..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٨..
٤ ينظر في قراءتها : المحتسب ٢/٢٧، والإتحاف ٢/٢١٣، والبحر ٦/١١٤ والدر المصون ٤/٤٤٩..
٥ ينظر البيت في البحر المحيط ٦/١١٤، الدر المصون ٤/٤٤٩..
٦ تقدم..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٩ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٥٩..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٥٩)..
١١ ينظر: المحتسب ٢/٢٨، البحر ٦/١١٤، والدر ٤/٤٥٠..
١٢ ينظر: الإملاء ٢/١٠١..
١٣ ينظر: الرازي ٢١/١٠٠..
١٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٩..
١٥ في أ: الأسباب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية