واصبر نفسك يا محمد أي أحبسها وثبتها، قال البغوي هذه الآية نزلت في عيينة بن حصين الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خرقة يشقها ثم ينسجها، فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا عن إتباعك إلا هؤلاء فنحهم حتى نتبعك أو إجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فأنزل الله تعالى : وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة قرأ ابن عامر بضم الغين وسكون الدال وواو مفتوحة، والباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها والعشي في جميع أوقاتهم أوفي طرفي النهار يريدون بعبادتهم إياه وجهه لفظ الوجه مقحم كما في قوله تعالى : ويبقى وجه ربك (١) والمعنى يريدون الله لا شيئا آخر من الدنيا والآخرة، قال قتادة نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبع مائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى زرع ولا ضرع ولا تجارة، يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم :( الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمر ربي أن أصبر نفسي معهم )(٢) وقد ذكرنا بعض ما ورد في سبب نزول هذه الآية في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم (٣) الآية ولا تعد أي لا تصرف عيناك عنهم إلى غيرهم تريد زينة الحياة الدنيا حال من الكاف أي تصرف عيناك حال كونك تطلب مجالسة الأغنياء، ومصاحبة أهل الزينة من الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا قال البغوي يعني عيينة بن حصين، وقيل : أمية بن خلف أخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال : نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرف الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال : حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له فنزلت، وأخرج ابن بريدة قال : دخل عيينة بن حصين على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده سلمان فقال عيينة إذا نحن أتيناك فأخرج هذا فنزلت : ولا تطع من أغفلنا قلبه أي جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا وأتبع هواه في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش، وفيه تنبيه على أن الداعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن ذكر الله سبحانه، وانهماكه في لذات الدنيا، حتى خفي عليه أن الشرف بتزكية النفس عن الرذائل وتصفية القلب وتنويرها بنور المعرفة لا بزينة الجسد وأنه من أطاعه كان مثله في الغفلة والغباوة، والمعتزلة لما لم يجوزوا نسبة الإغفال إلى الله تعالى قالوا : معنى أغفلنا وجدناه غافلا أو نسبناه إلى الغفلة أو هو من قبيل اغفل إبله أي تركها بغير سمة، وأهل السنة السنية جعلوا مجموع النسبتين في قوله تعالى : أغفلنا وقوله : وأتبع هواه دليلا على الأمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض وكان أمره فرطا قال البغوي قال قتادة ومجاهد أي ضياعا، وقيل : معناه ضيع عمره وعطل أيامه، وقيل : ندماً، وقال مقاتل بن حبان سرفاً، وقال الفراء متروكاً وقيل : باطلاً، وقيل : مخالفاً للحق، وقال الأخفش مجاوزاً للحد، وقال البيضاوي متقدما على الحق تاركا وراء ظهره، يقال : فرس فرط أي متقدما للخيل ومنه الفرط
٢ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد في كتاب: التفسير، باب: سورة الأنعام ١٠٩٩٨..
٣ سورة الأنعام، الآية: ٥٢..
التفسير المظهري
المظهري