المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه قصص أهل الكهف ودل اشتمال القرآن عليه على أنه وحي من علام الغيوب – أمره جل شأنه بالمواظبة على درسه وتلاوته، وألا يكترث بقول القائلين له : ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ثم ذكر ما يلحق الكافرين من النكال والوبال يوم القيامة، وما ينال المتقين من النعيم المقيم كفاء ما عملوا من صالح الأعمال.
تفسير المفردات : واصبر نفسك : أي احبسها وثبّتها. بالغداة والعشي : أي في طرفي النهار، وخصهما بالذكر، لأنهما محل الغفلة، وفيهما يشتغل الناس بأمور دنياهم. وجهه : أي رضاه وطاعته لأن من رضي عن شخص يقبل عليه، ومن غضب عليه يعرض عنه. ولا تعد عيناك عنهم : أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى أبناء الدنيا ؛ والمراد لا تحتقرهم وتصرف النظر عنهم إلى غيرهم لرثاثة منظرهم. تريد زينة الحياة الدنيا : أي تطلب مجالسة من لم يكن مثلهم من الأغنياء وأصحاب الثراء. أغفلنا قلبه : أي جعلناه غافلا.
الإيضاح : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أي واحبس نفسك وثبتها مع فقراء الصحابة كعمار بن ياسر وصهيب وبلال وابن مسعود وأضرابهم ممن يدعون ربهم بالغداة والعشي بالتسبيح وصالح الأعمال ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون عرضا من أعراض الدنيا ولا شيئا من لذاتها ونعيمها.
روي أن عُيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من فقراء أصحابه، فيهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد عرق فيها، وبيده خوص يشقّه ثم ينسجه، فقال له :" أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس، وما يمنعنا من إتباعك إلا هؤلاء، فنحهم حتى نتّبعك، أو اجعل لهم مجلسا، ولنا مجلسا "، فنزلت الآية.
وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر تفسير معهم ".
ونحو الآية قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الأنعام : ٥٢ ].
ومقال هؤلاء شبيه بمقاله قوم نوح : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [ الشعراء : ١١١ ].
ثم أمره سبحانه بمراقبة أحوالهم فقال :
ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا أي لا تصرف بصرك ونفسك عنهم، رغبة في مجالسة الأغنياء لعلهم يؤمنون.
وخلاصة ذلك : النهي عن احتقارهم، وصرف النظر عنهم إلى غيرهم، لسوء حالهم وقبح بزّتهم، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية :" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه ".
ثم أكد هذا النهي بقوله :
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا أي ولا تطع في تنحية الفقراء عن مجلسك من جعلنا قلبه غافلا عن ذكر الله، لسوء استعداده، وإتباع شهواته، وإسرافه في ذلك غاية الإسراف، وتدسيته نفسه، حتى ران الكفر والفسوق والعصيان على قلبه، وتمادى في اجتراح الآثام والأوزار.
وفي ذلك تنبيه إلى أن الباعث لهم على استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب الله، والعمل على ما يقرب منه، وشغلهم بالأمور الحسية حتى خفي عليهم أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد وزخرف الحياة من اللباس والطعام والشرف.
وبعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يلتفت إلى قول أولئك الأغنياء الذين قالوا : إن طردت أولئك الفقراء آمنا بك – أمره أن يقول لهم ولغيرهم على طريق التهديد والوعيد : هذا هو الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد أشار إلى ذلك بقوله :
تفسير المراغي
المراغي