قوله تعالى : أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ : العامة على تخفيف السين، جمع " مِسْكين ". وقرأ١ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع " مسَّاك " وفيه قولان :
أحدهما : أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني : أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع " مَسْكٍ " بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ ؛ لقوله : يَعْمَلُونَ فِي البحر قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و " يَعْملُونَ " صفة لمساكين.
قوله : وَرَآءَهُم مَّلِكٌ " وَرَاء " هنا بمعنى المكان.
وقيل :" وَراءَهُمْ " بمعنى " أمَامَهُمْ " ؛ كقوله :
مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ [ إبراهيم : ١٦ ] وقيل :" وَراءَهُمْ " خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ ؛ لقوله : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ [ إبراهيم : ١٦ ] ويؤيِّده قراءة ابن عباس : وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ :[ الطويل ]
| أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي | وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا٢ |
| ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا | فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي٣ |
| أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي | لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ٤ |
الأول : أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال :" فإن قلت : قوله :" فأردتُّ أن أعيبها " مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب ؛ فلمَ قُدِّم عليه ؟ قلتُ : النيةُ به التأخيرُ ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك : زيدٌ ظنِّي مقيمٌ ".
٢ تقدم..
٣ البيت لابن ميادة. ينظر: البحر المحيط ٦/١٤٥، روح المعاني ١٦/٦، الدر المصون ٤/٤٧٧..
٤ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود