أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ( ٧٩ ) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ( ٨٠ ) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ( ٨١ ) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحا فأراد أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا [ الكهف : ٧٩- ٨٢ ]
المعنى الجملي : بعد أن ذكر الأمور التي رآها موسى عليه السلام حين صاحب الخضر، وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه ولم يستطع صحبته – أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم يحكمون بناء على الظواهر كما قال النبي ( ص ) :" نحن نحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر ".
وأحكام هذا العالم مبينة على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وهذه لا يطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثم اعترض موسى على ما رأى ولم يعلم ما آتاه الله الخضر من قوة عقلية قذر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطلع على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناء على الظواهر، ومرتبة هذا العالم الموقوف على بواطن وحقائق الأشياء، والاطلاع على أسرارها الكامنة.
وخلاصة المسائل الثلاث : إنه حين يتعارض ضرران يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، فلو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك وفاتت منافعها بتاتا، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه في دينهم ودنياهم، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررا من سقوطه، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام.
ومجمل الأمر في ذلك : إن الله أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها في أنفسها، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسمية، ومن ثم قال في صفة علمه : وعلمناه من لدنا علما [ الكهف : ٦٥ ] وموسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم، ليعلمه أن كمال المعرفة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها في الواقع.
تفسير المفردات :
المساكين : واحدهم مسكين ؛ وهو الضعيف العاجز عن الكسب، لأمر في نفسه وفي بدنه. يعملون في البحر : أي يؤاجرون ويكتسبون. أعيبها : أي أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها. وراءهم : أي أمامهم ؛ وهو لفظ في الشيء وضده كما قال :
أليس ورائي أن أدب على العصا فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي ؟
وعن ابن عباس أن النبي ( ص ) كان يقرأ : أمامهم.
الإيضاح :
أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا أي أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم ضعفاء، لا يقدرون على دفع الظلمة، وكانوا يؤاجرونها ويكتسبون قوتهم منها، فأردت أن أعيبها بالخرق الذي خرقته، وكان قدامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة للاستعمال غصبا، ويدع كل معيبة، فعبتها لأرده عنها.
وخلاصة ذلك : إن السفينة كانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون بها، فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافون ويعجزون عن دفعه من غصب ملك قدامهم، من عادته غصب السفن الصالحة.
( ١ ) ألا يعجب المرء بعمله، وألا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سرا لا يعرفه.
( ٢ ) إن فيها تأديبا لنبيه بترك طلب الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزؤوا به وبكتابه، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا، واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي والعذاب الدائم.
( ٣ ) إن ما حدث فيها يجري مثله كل يوم في هذه الحياة، ألا ترى أن قتل الغلام وهو صغير لا ذنب له يشبه الطاعون الذي يهلك الأمم ويفتك بها فتكا ذريعا، والبهائم التي تفتك بها السباع أو تأكلها الناس، ولو تأمل الناس حكمة ذلك لعلموا أنهم لو بقوا على الأرض مائة عام أو نحوها ولم يمت منهم أحد لضاقت بهم الأرض، ولماتوا جوعا، ولأكل الابن أباه، ولأصبحت الأرض منتنة قذرة، ولهلك الناس جميعا، وأن أكل كواسر الطير لصغارها ليخلو الجو والأرض من الحيوانات المزدحمة، ولولا ذلك لأصبحت الأرض مضرة بالناس والحيوان، فاقتناصها رحمة ونعمة على الناس.
وأن خرق السفينة التي هي لمساكين أشبه بموت بقرة فلاح فقير بجانبه رجل غني لم تصب بقرته بسوء، وذلك إنما يكون لحكم لا يعلمها إلا الله، وقد يكون منها أن الفقير حين موته يخرج من هذا العالم خفيفا لا يحزنه شيء، وأن الغني إذا لم يهذب نفسه تكون روحه مجذوبة إلى هذا العالم متطلعة إلى ما فيه، فيصير في حسرة حين موته.
وأن ذكر الجدار وإقامته تشيران إلى كل من نرى أنه ليس أهلا للنعمة ظاهرا وقد أغدقت عليه، فأهل هذه القرية اللؤماء الأشحاء ليسوا أهلا للإكرام.
وخلاصة ما قاله الخضر : إن هذه الأعمال ليست من جنس أعمال الناس، بل هي من أعمال الله، وإنما كنت واسطة فيها، فهي نماذج لفعل ربكم في هذه الحياة.
أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ( ٧٩ ) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ( ٨٠ ) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ( ٨١ ) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحا فأراد أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا [ الكهف : ٧٩- ٨٢ ]
المعنى الجملي : بعد أن ذكر الأمور التي رآها موسى عليه السلام حين صاحب الخضر، وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه ولم يستطع صحبته – أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم يحكمون بناء على الظواهر كما قال النبي ( ص ) :" نحن نحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر ".
وأحكام هذا العالم مبينة على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وهذه لا يطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثم اعترض موسى على ما رأى ولم يعلم ما آتاه الله الخضر من قوة عقلية قذر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطلع على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناء على الظواهر، ومرتبة هذا العالم الموقوف على بواطن وحقائق الأشياء، والاطلاع على أسرارها الكامنة.
وخلاصة المسائل الثلاث : إنه حين يتعارض ضرران يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، فلو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك وفاتت منافعها بتاتا، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه في دينهم ودنياهم، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررا من سقوطه، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام.
ومجمل الأمر في ذلك : إن الله أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها في أنفسها، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسمية، ومن ثم قال في صفة علمه : وعلمناه من لدنا علما [ الكهف : ٦٥ ] وموسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم، ليعلمه أن كمال المعرفة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها في الواقع.
تفسير المراغي
المراغي