ومنه قول عنترة: [الكامل] وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقد فسر هذا المعنى بقوله لو كان يدري ما المحاورة البيت، ومنه قول الناس: داري تنظر إلى دار فلان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتراءى نارهما، وهذا كثير جدا وقرأ الجمهور «ينقض» أي يسقط، وقرأ النبي ﷺ فيما روي عنه «أن ينقض» بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة «أن يناقص»، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولا، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولا، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل]
| فراق كقيص السن فالصبر انه | لكل أناس عبرة وحبور |
قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا حديث وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم السلام فقال موسى للخضر: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي طعاما تأكله، وقرأ الجمهور «لتخذت» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لتخذت» وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم، ومن قولهم تخذ قول الشاعر [المزق] :[الطويل]
| وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها | نسيقا كأفحوص القطاة المطرق |
قوله عز وجل:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩)
قرأ الجمهور «لمساكين» بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت صفحة رقم 534
لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم ب «مساكين»، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة:
كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة «لمساكين» بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد ب «المساكين» ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع «مساكين»، وقالت فرقة: أراد «المسّاكين» دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك.
قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن المسكين الذي له البلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالا من الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر: [البسيط]
| أما الفقير الذي كانت حلوبته | وفق العيال فلم يترك له سبد |
قال القاضي أبو محمد: وقوله وَراءَهُمْ هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعا بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ «أمامهم»، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، مطرد على ما قلنا في الزمن، وقوله مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] مطرد كما قلنا مراعاة الزمن وقول النبي ﷺ «الصلاة أمامك» يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ قال قتادة أمامهم، ألا ترى أنه يقول مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] وهي بين أيديهم. وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج ويجوز إن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب، فكان وراءهم حقيقة، وقيل اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل اسمه الجلندا، وهذا كله غير ثابت، وقوله كُلَّ سَفِينَةٍ عموم صفحة رقم 535
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد