ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

و غَصْبًا : مصدر نوعي ليأخذ.
ثم جعل يفسر له، فقال : أما السفينة التي خرقتُها، فكانت لمساكين : ضُعفاء، لا يقدرون على مدافعة الظلمة، فسماهم مساكين ؛ لذلهم وضعفهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمرةِ المَسَاكِينِ " ١ فلم يُرد مسكنة الفقر، وإنما أراد التواضع والخضوع، أي : احشرني مخبتًا متواضعًا، غير جبار ولا متكبر، وقيل : كانت السفينة لعشرة إخوة : خمسة زَمْنَى، وخمسة يعملون في البحر . وإسناد العمل إلى الكل، حينئذ، بطريق التغليب، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل. فأردت أن أعيبها : أجعلها ذات عيب، وكان ورائهم ملكٌ أي : أمامهم، وقرئ به، أو خلفهم، وكان رجوعهم عليه لا محالة، وكان اسمه :" جلندي بن كركر " وقيل :" هُدَدُ بن بُدَد "، قال ابن عطية : وهذا كله غير ثابت، يعني : تسمية الملك. يأخذُ كلَّ سفينة صالحة، وقرئ به، غَصْبًا من أصحابها.
وكان حق النظم أن يتأخر بيانُ إرادةِ التعيُّبِ عن خوف الغصب، فيقول : فكانت لمساكين، وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، فأردت أن أعيبها ؛ لأن إرادة التعيب مُسَبَّبٌ عن خوف الغصب، وإنما قدّم ؛ للاعتناء بشأنها ؛ إذ هي المحتاجة إلى التأويل، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرها، مع توهم رجوعه إلى الأقرب قال البيضاوي : ومبني ذلك - أي : التعيب وخوف الغصب - على أنه متى تعارض ضرران يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام ؛ " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ؛ كما في الحِكَم. فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد.
وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا : إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمان المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا. وبالله التوفيق.



١ أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٧، وابن ماجه في الزهد باب ٧..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير