ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
المسألة الرابعة والستون : في الفرق بين المسكين والفقير.
ذهب ابن حزم – رحمه الله – إلى أن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغينه، وأما الفقير فهو الذي لا يجد شيئا أصلا، فالمسكين أيسر حالا من الفقير.
قال ابن حزم : الفقراء : هم الذين لا شيء لهم أصلا، والمساكين : هم الذين لهم شيء لا يقوم بهم.
برهان ذلك أنه ليس إلا موسر أو غني أو فقير أو مسكين في الأسماء، فهذه مرات أربع معلومة بالحس، فالموسر بلا خلاف : هو الذي يفضل ماله عن قوته وقوت عياله على السعة. والغني : هو الذي لا يحتاج إلى أحد وإن كان لا يفضل عنه شيء ؛ لأنه في غنى عن غيره.
وكل موسر غني، وليس كل غني موسرا.
فإن قيل : لم فرقتم بين المسكين والفقير ؟
قلنا : لأن الله تعالى فرق بينهما، ولا يجوز أن يقال في شيئين فرق الله تعالى بينهما : إنهما شيء واحد، إلا بنص أو إجماع أو ضرورة حس ؛ فإذ ذلك كذلك، فإن الله تعالى يقول : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ١ سماهم الله تعالى مساكين ولهم سفينة، ولو كانت تقوم بهم لكانوا أغنياء بلا خلاف.
وبقي القسم الرابع، وهو من لا شيء له أصلا، ولم يبق من الأسماء إلا الفقير، فوجب ضرورة أنه ذاك.
روينا ما حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا نصر بن علي، أخبرنا عبد الأعلى، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، والتمرة والتمرتان، قالوا : فما المسكين يا رسول الله ؟ قال : المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن لحاجته فيتصدق عليه " ٢.
فصح أن المسكين هو الذي لا يجد غنى إلا أن له شيئا لا يقوم به، فهو يصبر وينطوي، وهو محتاج ولا يسأل.
وقال تعالى : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ٣
فصح أن الفقير الذي لا مال له أصلا ؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ولا يجوز أن يحمل ذلك على بعض أموالهم.
فإن قيل : قال الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ٤
قلنا : صدق الله تعالى، وقد يلبس المرء في تلك البلاد إزارا ورداء خلقين غسيلين لا يساويان درهما، فمن رآه كذلك ظنه غنيا، ولا يعد مالا ما لا بد منه، مما يستر العورة إذا لم تكن له قيمة٥. اه

١ مساكين قرأ العامة بتخفيف السين، جمع مسكين، وفرئ بتشديدها، جمع مساك، وهو الذي يمسك سكان السفينة، أو أنه الذي يدبغ المسوك، جمع مسك، وهي الجلود. انظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/٣٤، والبحر المحيط ٦/١٥٣، والدر المصون ٧/٥٣٦..
٢ رجال الإسناد:
عبد الله بن ربيع سبقت ترجمته.
محمد بن معاوية سبقت ترجمته.
أحمد بن شعيب سبقت ترجمته.
نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، حفيد نصر بن علي بن صهبان، الأزدي، الجهضمي، ثقة ثبت، طلب منه القضاء فامتنع، من العاشرة، مات سنة (٢٥٠ هـ أو بعدها / ع) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٧١٧٠).
عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، السامي، بالمهملة، أبو محمد، ثقة، من الثالثة، مات سنة (١٨٩ هـ / ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٣٧٥٨).
معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٦٨٥٧).
الزهري سبقت ترجمته.
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة (٩٤ أو ١٠٤ هـ /ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٨٢٠٣).
أبو هريرة رضي الله عنه سبقت ترجمته.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في: الزكاة، باب: قول الله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا) (١٤٧٦) (١٤٧٩) ومسلم في: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى (٢٣٩٠) (٢٣٩١)..

٣ الحشر (٨)..
٤ البقرة (٢٧٣)..
٥ المحلى (٦/٩٩-١٠٠)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير