ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما يغشاهما طغيانا عليهما وكفرا بعقوقه وسوء صنيعه ويلحقهما شرا وبلاء أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعذبهما بغلبته فيرتد بإضلاله أو بممالأته على طغيانه وكفره حبا، قال سعيد بن جبير خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه وإنما خشى ذلك خضر بإعلام من الله بالوحي، أخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن هرمز عن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم من قتل الولدان فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل يعني إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم لعامة المسلمين الذين لا يوحى إليهم حتى يحصل لهم علم من حال الولدان والوحي قد انقطع بعد النبي صلى الله عليه وسلم فليس نهي النبي صلى الله عليه وسلم متوجها إلى خضر وأمثاله.
فإن قيل : مقتضى هذا الكلام إن الله تعالى كان يعلم أن ذلك الغلام إن عاش يكون كافرا طاغيا والمفروض المتحقق أن الغلام لم يعش ولم يكفر ولم يطغ حيث قتله الخضر والعلم يكون تابعا للمعلوم فلابد أن يكون للعلم في الخارج مصداق، فكيف يتصور صحة هذا العلم ؟ لا يقال في جوابه أن وجود الأشياء تابع لعلم الله تعالى بخلاف علوم العباد فإن العلم هناك تابع للمعلوم مستفاد منه لأنا نقول هذا القول لا يجديك نفعا فإن العلم سواء كان تابعا للمعلوم أو متبوعا له لابد من مطابقتهما وعدم تخلف أحدهما عن الآخر، فإذا لم يعش الغلام ولم يكفر ظهر عدم تحقق القضية في الواقع فلا يجوز تعلق علم الله بالقضية حتى لا يلزم عدم مطابقته العلم بالواقع والجواب الصحيح الذي يحسم مادة الشبهة أن صدق الشرطية وتعلق العلمية يقتضي لزوم التالي للمقدم في الواقع، ولا يقتضي وجوده طرفيها فيه ألا ترى أن قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ١ صادق والعلم به متحقق مع امتناع المقدم، فمقتضى هذا العلم لزوم كفر الغلام لبقائه بحيث لا يحتمل تخلفه، كما أن صدق قولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود يقتضي لزوم وجود النهار لطلوع الشمس لا طلوعها ولا وجوده. فإن قيل : لزوم أحد الشيئين للآخر يقتضي أن يكون أحد الشيئين علة تامة للشيء الآخر، أو يكونان كلاهما معلولين لعلة واحدة تامة، فما وجه لزوم كفر الغلام لبقائه ؟ قلنا : وجه هذا اللزوم على ما قالت الصوفية العلية رضي الله عنها أن وجودات الأشياء كلها في الخارج ظلال للأعيان الثابتة التي هي ظلال لصفات الله تعالى ولما كانت الأعيان الثابتة كائنة في مرتبة العلم فلذلك قالوا المعلوم تابع للعلم ثم صفات الله تعالى منها راجعة إلى كونه تعالى هاديا ومنها راجعة إلى كونه تعالى مضلا فالأشياء التي مبادئ تعيناتها راجعة إلى الهداية ظهور الاهتداء لازم لوجودها لا يمكن ختمها إلا على السعادة، والتي مبادئ تعيناتها راجعة إلى الضلالة ظهور الشقاوة وختمها عليها لازم لوجودها لا يتصور منها الاهتداء، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم :( كل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة )٢ متفق عليه من حديث علي رضي الله عنه، فمعنى قوله طبع الغلام على الكفر أن مبدء تعينه كان ضلال اسم المضل فموته صغيرا قبل ظهور أثر الضلالة فيه كان أصلح له ولوالديه وكان هذا تفضلا من الله تعالى على والديه لا على ما قالت المعتزلة بوجوب الأصلح على الله سبحانه إذ لو كان كذلك لم يوجد كافر حيث يجب على الله إماتته صغيرا والله أعلم.

١ سورة الأنبياء، الآية: ٢٢..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: فسنيسره للعسرى ٤٩٤٩، وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ٦٤٧ ف..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير