الآية٨٠ : وقوله تعالى : وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين اختلف في سن ذلك الغلام. ( قال بعضهم : كان ذلك الغلام )(١) كبيرا بالغا. والعرب قد تسمي الرجل البالغ الذي لم يَلْتَحِ بعد، أو لم تستو لحيته غلاما لقربه لوقت البلوغ. ولذلك(٢) قال موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس ( الكهف : ٧٤ ) والصغير مما لا يُقتل إذا قَتَل نفسا بغير حق. فلو كان صغيرا لم يكن لقول موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس ( معنى )(٣).
وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قال :)(٤) ( إن إيمانكم يحقن دماءكم ) ( أي إيمانكم يحقن دماءكم )(٥) إذ ظهر منهم الدم. وكقوله :( لولا الإيمان لكان لي ولها شأن )( البخاري : ٤٧٤٧ ) إذا ظهر منها الزنا. فعلى ذلك قوله : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لو كانت محتملة القتل بالنفس، والله أعلم.
ثم اختلف في سبب قتل الغلام. قال بعضهم : قتله لكفره ؛ كان كافرا، وكذلك ذُكر في حرف أُبَيٍّ بْنِ كَعْبِ : وأما الغلام فكان كافرا. ألا ترى أنه قال : فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا دل هذا أنه بالغا كافرا، إذ لو لم يكن كافرا لم يلحق والديه منه الطغيان والكفر.
وقال بعضهم : إنما قتله لأنه كان لِصًّا قاطع الطريق ( يقطع الطريق )(٦)
وعلى قول من يقول : إنه كان صغيرا قتله لأنه علم أنه لو بلغ ( بلغ )(٧) كافرا، والله أعلم بذلك. وليس لنا إلى معرفة ذلك السبب الذي قتله حاجة، ولا أنه كان صغيرا أو كبيرا لأنه أخبر أنه إنما قتله بأمر الله لا من تلقاء نفسه حين قال : وما فعلته عن أمري ( الكهف : ٨٢ ) ولكن إنما فعلته بأمر الله، لله أن يأمر عبدا من عباده بقتل الصغير على ما له أن يميته وعلى ما يأمر ملك الموت بقبض أرواح الخلق. فعلى ذلك له أن يميته على يدي آخر، وأن يقبض روحه ؛ إذ له الخلق والأمر.
وقوله تعالى :{ فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) ؛ ليس، هو الخوف، ولكن : العلم ؛ أي علمنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا. وكذلك ذكر في حرف أُبَيٍّ.
فإن قيل : كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان والكفر، وقد ترك إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر على علم منه أنهم يحملون الناس على الطغيان والكفر، ويرهقونهم بأنواع المعاصي والفواحش، وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس من تركهم على علم منه بما يكون منهم. فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من إرهاق ( الوالدين بالطغيان والكفر )(٨) ؟.
قيل : لهذا جوابان :
أحدهما(٩) : أن الله عز وجل قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء، تحملهم تلك المعاني والأشياء على الرغبة والحنث في ما امتحنهم، وإن كان له الامتحان لا على تلك المعاني والعلل نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا، وإن كان الامتحان بذلك على غير ثواب ولا جزاء. وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن. فعلى ذلك الأولى.
والثاني : ذكر هذا ليُطَيِّبَ به أنفسهم إحسانا منه إليهم وإنعاما عليهم ؛ إذ له أن يميتهم صغارا وكبارا. وعلى ذلك يُخَرَّجُ قوله : ولو بسط الله الرزق لعباده ( الشورى : ٢٧ ) وقد وسع على كثير من الخلق. وكذلك قوله : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة الآية ( الزخرف : ٣٣ ) وقد جعل للكثير من الخلق ذلك هذا لما له أن يفعل ذلك للكل. فمن يفعل ذلك يفعل إحسانا منه وإفضالا، والله أعلم.
٢ في الأصل و. م: كذلك..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل: حيث قال..
٥ من م، ساقطة من الأصل. إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني أنفسهم وأموالهم إلا بحقها). (البخاري ٢٥).
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في م: كان، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و. م: الطغيان والكفر بالوالدين..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم