ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
تفسير المفردات
المساكين: واحدهم مسكين وهو الضعيف العاجز عن الكسب، لأمر فى نفسه وفى بدنه، يعملون فى البحر، أي يؤاجرون ويكتسبون، أعيبها: أي أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها، وراءهم: أي أمامهم وهو لفظ يستعمل فى الشيء وضده كما قال:
أليس ورائي أن أدبّ على العصا فيأمن أعدائى ويسأمنى أهلى؟
وعن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ: أمامهم.
خشينا: أي خفنا، أن يرهقهما: أي يحملهما، طغيانا: أي مجاوزة للحدود الإلهية، زكاة: أي طهارة من الذنوب، رحما: أي رحمة كالكثر والكثرة، عن أمرى:
أي عن رأيى واجتهادي، ما لم تسطع: أي تستطع ماضيه اسطاع، الذي أصله استطاع.

صفحة رقم 6

المعنى الجملي
بعد أن ذكر الأمور التي رآها موسى عليه السلام حين صاحب الخضر، وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه ولم يستطع صحبته- أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم يحكمون بناء على الظواهر كما
قال النبي صلّى الله عليه وسلم «نحن نحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر».
وأحكام هذا العالم مبنية على الأسباب الحقيقة الواقعة فى نفس الأمر، وهذه لا يطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثمّ اعترض موسى على ما رأى ولم يعلم ما آتاه الله الخضر من قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطلع على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى فى معرفة الشرائع والأحكام بناء على الظواهر، ومرتبة هذا العالم الوقوف على بواطن الأمور وحقائق الأشياء، والاطلاع على أسرارها الكامنة.
وخلاصة المسائل الثلاث- إنه حين يتعارض ضرران يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، فلو لم يغب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك وفاتت منافعها بتاتا، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه فى دينهم ودنياهم، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررا من سقوطه، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام.
ومجمل الأمر فى ذلك- إن الله أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها فى أنفسها، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسمية، ومن ثمّ قال فى صفة علمه: «وعلمناه من لدنا علما» وموسى عليه السلام لما كملت مرتبته فى علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم، ليعلمه أن كمال المعرفة فى أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هى عليها فى الواقع

صفحة رقم 7

الإيضاح
(أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) أي أما فعلى ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم ضعفاء، لا يقدرون على دفع الظّلمة، وكانوا يؤاجرونها ويكتسبون قوتهم منها، فأردت أن أعيبها بالخرق الذي خرقته، وكان قدامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة للاستعمال غصبا، ويدع كل معيبة، فعبتها لأرده عنها.
وخلاصة ذلك- إن السفينة كانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون بها، فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافون ويعجزون عن دفعه من غصب ملك قدامهم، من عادته غصب السفن الصالحة.
(وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) أي وأما الغلام فإنه كان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخفنا أن يحملهما حبه على متابعته على الكفر.
قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحبّ،
وفى الحديث «لا يقضى الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له»
، وقال تعالى. «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم».
وخلاصة ذلك- إنا قد علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبويه إلى الكفر فأجاباه ودخلا معه فى دينه لفرط حبهما له.
(فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) أي قال هذا العالم:
أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين ولدا يكون خيرا من هذا الولد دينا وصلاحا وأقرب عطفا ورحمة بأبويه، وبرّا بهما وشفقة عليهما.

صفحة رقم 8

(وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك) أي إن الداعي إلى إقامة الجدار أنه كان تحته كنز، وكان ليتيمين فى المدينة، وكان أبوهما امرأ صالحا، فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك اليتيمين رعاية لحقهما ولصلاح أبيهما، فأمرنى بإقامة الجدار لتلك المصالح إذ لو سقط الجدار لضاع الكنز وقد كان مشرفا على السقوط.
(وما فعلته عن أمرى) أي وما فعلت الذي رأيتنى أفعله عن رأيى، ومن تلقاء نفسى، بل فعلته عن أمر الله إياى به، لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا تجوز إلا بالوحى والنص القاطع.
(ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) أي هذا الذي ذكرت لك من الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها، هو بيان ما تئول إليه الأفعال التي ضقت بها ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك بها ابتداء.
تنبيه
لذكر هذه القصة فى الكتاب الكريم فوائد:
(١) ألا يعجب المرء بعلمه، وأ لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سرا لا يعرفه.
(٢) إن فيها تأديبا لنبيه بترك طلب الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزءوا به وبكتابه، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف فى الدنيا، واستحقاقهم من الله فى الآخرة الخزي والعذاب الدائم.
(٣) إن ما حدث فيها يجرى مثله كل يوم فى هذه الحياة، ألا ترى أن قتل الغلام وهو صغير لا ذنب له يشبه الطاعون الذي يهلك الأمم ويفتك بها فتكا ذريعا، والبهائم التي تفتك بها السباع أو تأكلها الناس- ولو تأمل الناس حكمة ذلك لعلموا

صفحة رقم 9

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية