ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

ثم شرع في قصة أهل الكهف المقصودة بالذات فقال :
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا*
قلت : أم : منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة : للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى " بل "، فقط، عند غيرهم، و عجبا : خبر كان، و من آياتنا : حال منه.
يقول الحقّ جلّ جلاله : أم حَسِبْتَ أي : ظننت يا محمد، والمراد : حسبان أمته أنَّ أصحابَ الكهف ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختُلف في موضعه ؛ فقيل : بقرب فلسطين، وقيل : بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرَّقِيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها : مدينة " دقيوس "، والله أعلم. وقال ابن جزي : ومما يُبعد ذلك ما رُوي أن معاوية مرَّ عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبةً، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضا : فإن الموتى في لَوْشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه.
والمشهور : أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جُعِل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومُهم فقْدَهم. وقيل : اسم كلبهم.
أي : أظننت أنهم كانوا في قصتهم من بين آياتنا عَجَبًا أي : كانوا عجبًا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى : أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري : أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله : من آياتنا ، وقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وأيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويُغَيِّبَ سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حِمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير